• عبدالله الشرهان

وللكرتون كلمة عربية

خفة الظل وجذب الانتباه والإثارة والتشويق أهم ما يميز الرسوم الكرتونية أو الكرتون، الأمر الذي يجعله المفضل في إثارة حواس الصغار والكبار على حد سواء.


في الوقت الذي كانت تتوقف فيه وسائل الإعلام الأخرى عاجزة عن إيصال الرسالة أو المعنى المطلوب للصغار، كان الكرتون الجسر المثير الذي مهد لتدفق مختلف الرسائل إلى عقول الأطفال واليافعين وحتى الكبار بكل يسر ودون أي تعقيدات. بل وحتى فتح المجال لمخيلة المؤلفين أمام نمط جديد من المؤثرات الكرتونية التي لم تكن مألوفة من قبل وبفضلها أدخلت البهجة والمرح إلى وسائل إعلام الصغار.


من هنا اكتسب الكرتون شعبيته وأهميته، فساهم في نشر الكثير من الأفكار والتعاليم والأهداف على شكل قصص مصورة وأفلام ومسلسلات كرتونية مثيرة. وبفضله امتلأت الكثير من الخزائن ليس فقط من ريع شباك التذاكر، بل ومن جراء مبيعات التجزئة التي رافقت ظهور أبطال هذه القصص.


هذا التدفق الهائل من الكرتون جلب معه مختلف المدارس والأفكار الإيجابية والسلبية، وللأسف حتى معظم الجيد منه لم يخلوا من تأثير ثقافة وتعاليم منتجي هذه القصص والمسلسلات. وأصبحت الحاجة ملحة أكثر من قبل لتكون لنا كمسلمين وعرب كلمة كرتونية في هذا المجال.


على عكس وسائل الإعلام الأخرى، يكمن سحر الكرتون في سهولة نشره وتقبله والتأثير به بين الشعوب من خلال صغارهم (جيلهم القادم)، فبالإضافة إلى إيصال الأفكار والتعاليم والأخلاق النبيلة التي نريدها لصغارنا بدون تشويه أو تحريف، سنتمكن حتى من التأثير على الآخرين وذلك بتعرفهم على سماحة ديننا وثقافات شعوبنا ولقطات من أسلوب حياتنا بطريقة مشوقة ومثيرة لم يعهدوها من قبل عنا. وليست هذه سوى مقتطفات مما يمكن أن تجنيه صناعة كرتون محلي بمعايير عالمية.

المفهوم السائد عن الكرتون (الكرتون للأطفال والأطفال للكرتون) أثر كثيراً حتى في مجرد التفكير في الخوض في رسم أو صناعة الكرتون، إذ لا يزال الوزن الوظيفي أو لمجالات الكرتون هشاً في عقول المجتمعات المحلية، ومعظم الجهود المبذولة تكون فردية وتخرج باستحياء وتندرج تحت إطار الهواية وتخشى مخاطر وعواقب الاحتراف.


قد يكون وزن الكرتون بشيء من المرونة أكثر إنصافاً من تهميشه كلياً، فمن الكرتون ما لا يغني ولا يسمن، وهناك ما هو صاحب رسالة أصيلة وأهداف نبيلة سامية، فثقل كل من يخوض في هذا المجال تحدده أهدافه التي وضعها من البداية. فإذا كان مؤمناً بها بما يكفي للخوض في غمار التجربة، فلن يهمه إن لم ينصفه مجتمعه ومن حوله لأن رسالته أهم من كل ذلك، ولأن التاريخ سيقف في صفه في النهاية.


إلا أن الأمر ليس سهلاً كما يبدو، فالتكاليف العالية لإنتاج الكرتون وندرة المهارات المحلية كانت أيضاً من أبرز العوائق التي واجهت إنتاج الكرتون محلياً، فكان معظم الاتجاه السائد هو الإنتاج والإِشراف على العمل في الدول الأخرى.

إغراء انخفاض التكاليف في بعض الاستوديوهات أثر كثيراً على جودة الأعمال المنتجة وبالتالي عدم انتشار الرسالة التي تم إنتاج العمل من أجلها، وفي ظل عدم وجود استراتيجية واضحة للتسويق أو لتغطية التكاليف.. ذهبت معظمها أدراج الرياح، واكتفت بانتشار محدود لا يتجاوز في كثير من الأحيان تواجد خجول على أرفف محلات معدودة.


ساهمت العولمة وزيادة الانتاج العالمي من القصص المصورة والأفلام الكرتونية إلى الرقي بالمعايير إلى مستويات أصبح من الصعب معها مجاراتها أو مجرد التفكير بنيل حصة من السوق معها باستثمارات محدودة.

لأن الأطفال ليسوا سذجاً كما كنا نعتقد، أصبح بمقدورهم الآن بكل سهولة المقارنة والتعرف والانصراف عن أي إنتاج متواضع أو غير جذاب.


إن التخطيط الذكي وتبني استراتيجيات واضحة المعالم تتضمن مطابقة معايير الصناعة والإبداع في خلق عناصر الجذب والتشويق المطلوبة والتسويق المستمر.. واستثمار منظومة هذا النجاح في اقتحام محلات التجزئة من شأنه أن يغطي تكاليف العمل وربما العملين القادمين أيضاً.. وفي نفس الوقت تشكيل وإيصال "الرسالة" التي نريدها لأبنائنا ولشعوب العالم بأنفسنا. فمن لها؟

  • Black Facebook Icon
  • Black Twitter Icon
  • Black Instagram Icon

© 2019 Abdulla Alsharhan

sharhans.com