• عبدالله الشرهان

معاناة الأعمال الصغيرة المحلية

تاريخ التحديث: 13 ديسمبر 2018

بينما تجلس في مكتبك، وترى زميلًا لك في المدرسة قد افتتح ذلك المقهى اللطيف، وآخر بدأ مغسلة للسيارات من سنوات، تتراود إليك أفكارًا تشجعك على البدء في وقت ما، وربما بدأت بالفعل تفكر في اسم لمشروعك القادم؟ وبينما تتخيل نفسك تمشي بين أروقة محلك الصغير، يحاول عقلك حمايتك من هذه المخاطرة الغير محسوبة، ثم يقوم بتذكيرك قائلًا: ماذا عن صاحبك الذي أغلق مطعمه منذ مدة؟ أو زميلتك في العمل التي تشتكي من أوضاع متجرها الصغير.. ثم ما تلبث أن ترمي تلك الورقة الصغيرة التي رسمت فيها بداية حلم كبير في أقرب سلة مهملات، لأن الأمر لا يستحق، وتعاود العمل.. هل يبدو ذلك مألوفًا؟


لكن ربما ما لم تكن تعلم أن تلك الورقة الصغيرة ومثلها من الأعمال الصغيرة والمتوسطة شكلت تقريبًا نصف الناتج المحلي غير الزراعي في دولة بحجم الولايات المتحدة الأمريكية بنهاية عام ٢٠٠٨، كما أن هذه الأعمال الصغيرة أيضًا مسؤولة عن خلق ستة من بين كل عشر وظائف من فرص العمل ما بين عامي (1993-2013). فالأعمال الصغيرة هي العمود الفقري للاقتصاد في أي دولة، لكننا لا نزال نتحدث عن الولايات المتحدة، فقط أليس كذلك؟


ماذا عن الوطن العربي؟ لنأخذ دولة الإمارات العربية المتحدة على سبيل المثال؟ هل تتوقعون بأن للشركات الصغيرة أهميتها على اقتصاد الإمارات مثلها مثل الولايت المتحدة؟ ما رأيك لو عرفت بأن ٩٤٪ من الشركات الإماراتية هي شركات صغيرة ومتوسطة! ما رأيك لو عرفت أن هذه الأعمال الصغيرة مسؤولة عن توفير ٩ وظائف من كل ١٠ وظائف في الإمارات؟ وذلك حسب آخر إحصاءات "صندوق خليفة لدعم المشاريع" لعام ٢٠١٢.


لا شك بأن هذه الأرقام الكبيرة توحي بأهمية الأعمال الصغيرة في أي دولة، وفيما يتعلق بالشرق الأوسط، استفادت الشركات الأجنبية بكافة أحجامها من الموقع الاستراتيجي في دولة الإمارات على وجه الخصوص، فهي تقع بين الشرق والغرب. الأمر الذي ساعد في تأسيس أكثر من 100 ألف شركة أجنبية في الإمارات العربية المتحدة وحدها. يبدو الأمر مشجعًا حتى الآن أليس كذلك؟


على الرغم من أهمية جذب الاستثمارات الأجنبية، خلق هذا الأمر منافسة شرسة أمام الأعمال الصغيرة المحلية الوليدة، فبينما تستمر الاستثمارات الأجنبية لتصل إلى مناطق جغرافية بكامل خبرتها وجودتها وإبداعها، أصبح من النادر أن ينطبق العكس على توسع الشركات المحلية وعلاماتها التجارية بنفس المستوى، بل أصبحت تكافح من أجل البقاء لا من أجل التوسع، بينما استمرت الشركات العالمية داخل الإمارات بالتوسع. وعن هذا الأمر تخبرنا منال السويدي - الرئيس التنفيذي لشركة فرناشيز ميدل إيست للاستشارات أن هناك 850 علامة تجارية عالمية وإقليمية في دولة الإمارات، وهي تنمو باطراد بمعدل 16٪ بالمقارنة مع الأسواق الإقليمية. أما بالنسبة للعلامات التجارية المحلية، فلا تزال هناك أعداد قليلة جداً من العلامات التجارية المحلية التي تمكنت من التوسع خارج نطاق دولة الإمارات العربية المتحدة، ومن أبرز هذه العلامات التي تنتمي إلى فئة الشركات الصغيرة والمتوسطة، علامة "جست فلافل"، والتي تمكنت من التوسع إلى أكثر من 40 فرعاً داخل الدولة وخارجها كما يذكر تقرير أرابيان بيزنس الصادر في 2015، والتي بدورها عانت من تحديات أغلقت فيها معظم متاجرها في المملكة المتحدة، وتقلص العدد إلى 20 فرعاً خارج الإمارات كما يذكر الموقع الرسمي للشركة حتى كتابة هذا السطور.


تعتقد السويدي أن أحد أسباب صعوبة انتشار العلامات التجارية المحلية إلى السوق العالمي والاستفادة من ظروف العولمة المواتية هو عدم وجود المعرفة الكافية حول إدارة العملية العامة لقطاع الأعمال، بما في ذلك تحديد أهداف العمل، وإدارة الوقت والتعليم وتحفيز الموظفين. من ناحية أخرى أضافت أن العلامات التجارية المحلية لديها القدرة على التوسع عالمياً. حيث تضيف: "العلامات التجارية المحلية لديها مجموعة من المعايير والجودة التي ترقى إلى القطاع الدولي للامتياز". ومع ذلك، لا يزال حضور العلامات التجارية المحلية خجولاً خارج المنطقة.


ولتدارك ذلك، وضعت دولة الإمارات هذه التحديات في صلب رؤيتها وأجندتها الوطنية، حيث سيشهد الاقتصاد العالمي تغييرات اقتصادية كبيرة في السنوات القادمة. وفي خضم هذه التغيرات ووفقاً لأجندة الإمارات الوطنية، وضع القائمون على رؤية الإمارات 2021  أربعة أولويات في الاعتبار لدعم ونمو الشركات الصغيرة والمتوسطة:


1. الانتقال إلى الاقتصاد المعرفي

دعم التحول إلى اقتصاد قائم على المعرفة، وتشجيع الابتكار والبحث والتطوير وتعزيز الإطار التنظيمي للقطاعات الرئيسية وتشجيع القطاعات ذات القيمة المضافة العالية. حيث يعتقد أن هذا الهدف سيعزز بيئة الأعمال في البلاد.


2. تشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة

تطمح دولة الإمارات العربية المتحدة في أن تكون من بين أفضل دول العالم في مجال ريادة المشاريع من خلال تشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، إذ أن ريادة الأعمال تلعب دورا رئيسياً في فتح إمكانيات المواطنين وتمكنهم من أن يكونوا قوة دافعة للتنمية الاقتصادية في الدولة، وذلك من خلال نمو مشاريعهم الصغيرة والمتوسطة.


3. البدء المبكر:

وفقا لرؤية الإمارات 2021،  فإن بناء ثقافة العمل الحر في المدارس والجامعات يعد ركيزة أساسية لتعزيز أجيال تتمتع بالقيادة والإبداع والمسؤولية والطموح، الأمر الذي سيعزز مكانتها لتكون من بين "أفضل مكان في العالم في مؤشرات سهولة ممارسة أنشطة الأعمال، والابتكار وروح المبادرة والبحث والتطوير".


4. القوى العاملة الوطنية في القطاع الخاص

وأخيراً لا يمكن اكتساب المعرفة والخبرة الكافية للإلمام بنموذج أعمال ناجح دون الانخراط في العمل في القطاع الخاص، ولذلك تسعى الإمارات لضمان مستويات عالية من المشاركة الوطنية في القوى العاملة في القطاع الخاص كما تنص رؤيتها الاستراتيجية.


إن دعم نمو وتوسع الشركات الصغيرة المحلية وتحولها إلى علامات التجارية عالمية تتطلب عدة عوامل يتقاسمها رواد الأعمال والحكومات، أبرزها توفر ثقافة العمل الحر والإبداع والطموح، مع تركيز خاص على الاقتصاد المعرفي، كونه أحد ركاز الاقتصاد الجديد، كما يتطلب الأمر دعماً لا محدوداً لقطاع الأعمال الصغيرة والمتوسطة، كونها ستشكل نواة المستقبل الاقتصادي لأي دولة، إضافة إلى نشر ثقافة الابتكار وروح المبادرة والبحث والتطوير في الأجيال القادمة ليصبحوا النواة المحركة للقطاع الخاص في المستقبل.

  • Black Facebook Icon
  • Black Twitter Icon
  • Black Instagram Icon

© 2019 Abdulla Alsharhan

sharhans.com