• عبدالله الشرهان

معادلة الصّداقة

تاريخ التحديث: 9 يناير 2019

طوال سنوات الدراسة لم أشعر بالغربة يومًا، فبفضل أولياء أمور أصدقائي (والدي لم يكن مكترثًا كثيرًا)، فقد تمكنوا من جمْعِنا مع نفس مجموعة الأصدقاء في صف واحد، استمَرَّ هذا الأمر من الأوّل الابتدائي حتى الثانوية العامة.


ربّما تعتقدون بأن هذا أفضل شيء قد يحصل لأي أحد على الإطلاق، 12 سنة مع نفس الأصدقاء، أليس كذلك؟ فطوال سنوات الدراسة، والتي يفترض فيها تكوين الصداقات، لم أكن بحاجة لتكوين صداقة واحدة إضافية، فقد كنت مكتفيًا، لكن المشكلة بدأت تظهر على السطح عندما انتهت فترة الحياة المدرسية، وبدأت المرحلة الجامعية، والتي يفترض فيها أن يكون لكل واحد منّا مسار مختلف.


كان حل هذه المشكلة بسيطًا عند أصدقائي، فقد اختار بعضهم الدراسة معًا في نفس الكلية (وربما نفس التخصص). أما بالنسبة لي فكان الفضول يراودني نحو تجربة شيء مختلف هذه المرة، واتباع شغفي.


كنت محتارًا في اختيار الدراسة بين جامعتين – واحدة خاصة وأخرى حكومية (على سبيل الاحتياط)، فبادرت بالتسجيل في الاثنتين معًا، لكن مهلًا، فأنا لا أعلم شيئًا عن تكوين الصداقات الجديدة، فكيف لي أن أنتقل للعيش إلى مدينة جديدة مع زميل غرفة غريب؟! (ماذا عن رائحة حذائه؟).


ربما يكون من الأسهل البحث عن زملاء المدرسة، فربما أجد بعضهم هنا، وهذا بالفعل ما حصل، وجدت ضالتي مع مجموعة من زملاء المدرسة، قضينا معًا عدّة أسابيع، وكان ذلك أفضل شيء حصل لي في ذلك الوقت، لقد غمرتني سعادة بوجود زملاء المدرسة معي، لدرجة أنني نسيت أمر شغفي، وفضّلت الدراسة في الجامعة الحكومية على حساب الخاصة، فقط لكي أظل مع أصدقاء من جديد!


تلك السعادة لم تدم طويلًا، فسرعان ما اكتشفت أن جمعيهم كانوا قد سجّلوا في الجامعة الحكومية "على سبيل "الاحتياط" أيضًا، فهذا تم قبوله للدراسة في الخارج، والثاني أيضًا، والثالث انتقل ليدرس في جامعة خاصة، وهكذا حتى انسحبوا جميعًا ووجدت نفسي وحيدًا من جديد.


هذه الخيانة أقصد هذا الأمر جعلني في وضع دفاعي أمام أي صداقة جديدة، فدخلت الجامعة وكأنني ضيف غريب، ينتظر أن يتخرّج بسرعة، ونسيت أمر الصداقات تمامًا.


وأثناء ذلك، في الوقت الذي كنت أظن أن حياتي كانت على ما يرام، يقتحمها فجأة شخص كان غريبًا عنّي تمامًا بالأمس، ثم ما يلبث أن يصبح صديقًا عزيزًا، لا أعرف تمامًا كيف حدث أو بدأ ذلك، لكنني أعرف يقينًا بأن حياتي أصبحت لا تكتمل إلا معه، فكيف حدث ذلك فجأة؟


في الحقيقة لم يكن الموضوع مفاجأة، فهناك من يحترف فنّ نيل الإعجاب والتأثير واكتساب الصداقات في لمح البصر، في المقابل، هناك من لم يكن محظوظًا بما فيه الكفاية لاكتساب صديق واحد جيّد حتى الآن، ربّما بسبب التردّد أو الخجل الزائد أو الخوف من الرفض، فهل هناك أمر سيء فينا يجعل الناس تنفر منّا؟


الخبر السار في الموضوع بأننا على ما يرام (إلاَ إذا كنت تشكّ في رائحة فمك)، وأنه لا يوجد شيء خاطئ بابتعاد الأصدقاء عنّا، (ربما تكون ذكيًا! إذ يميل الأشخاص الأذكياء إلى الاحتفاظ بصداقات قليلة)، هناك من سيخبرك ويقول لك بأن تكون كما أنت! في الحقيقة من سيخبرك بذلك لا يريد لك الخير! فهذا لن ينجح تمامًا، خصوصًا إذا أردت أن يبدأ الناس في استحسانك.


لكن لا تقلق، إذا كنت تفضل الدخول في صلب الموضوع، وتفضل الاختيار بين الأبيض والأسود، ولا ترغب في الحلول الوسط، فهناك خبر جيد لك، وهو وجود معادلة مجرّبة ومثبتة عمليًا لاكتساب الأصدقاء، يمارسها عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي طوال الوقت، وذلك لتحويل الأعداء إلى أصدقاء.


أحد العملاء المتقاعدين "جاك سكافر" تطوع ولخّص هذه التجربة والخبرة ونقلها في كتابه "سر زر الإعجاب".


تتلخص معادلة الصداقة في العملية التالية:


الصداقة = القُرب + التكرار + المدّة + الشدّة


ماذا يعني ذلك؟ يخبرنا "سكافر" بأنه في بعض الأحيان، يتطلّب منه الموقف استخراج الاعترافات من بعض الموقوفين. فتبدأ المرحلة الأولى من عملية تطوير الصداقة وكسب الثقة، وهي التواجد بالقرب من الشخص المستهدف. حيث يقوم "سكافر" بالجلوس في نفس الغرفة مع السجين، دون أن يتحدّثا، يتناول فطوره أمامه، يقرأ الصحيفة، وكل ذلك يحدث على مرأى من السجين لمدة ساعة تقريبًا، يبدو الأمر غريبًا في البداية بالنسبة للسجين، فيكون وفي وضع دفاعي منغلقًا على نفسه، ويرفض الحديث. لا يكترث العميل "سكافر" لهذا الأمر كثيرًا، تنقضي الساعة ويخرج.


في اليوم التالي يقوم العميل بتكرار نفس ما قام به في اليوم الأول، فقد انتقل للمرحلة التالية، وهي التكرار، إذ يقوم بتكرار عملية الجلوس بالقرب من الشخص المستهدف كل يوم، هنا يبدأ السجين بالتعوّد على الأمر، ويشعر بالألفة تجاه الشخص القريب، فيقوم بالانفتاح رويدًا رويدًا، ولأنه ليس لديه شيء يقوم به طوال اليوم، يبدأ بكسر حاجز الصمت ويتحدّث. حتى لو كانت حوارات قصيرة، المهم بأنه بدأ بالكلام.


هنا ينتقل العميل "سكافر" إلى المرحلة الثالثة، وهي المدة، فبينما كان يجلس لمدة ساعة يوميًا أصبح يجلس لساعتين، وبينما كانت الحوارات تقتصر على جملة أو جملتين، أصبحت أكثر من ذلك.


في اليوم التالي يبدأ في الحديث مع السجين عن الأمور الشخصية المشتركة أكثر، ربما عن الأبناء، عن الأشقاء، ويتوافق معه مع نفس قيمه، وربما يوافقه الرأي حول الاحترام والولاء، حتى ينسجمان معًا وقد تسمع أصوات ضحكاتهما تتعالا أيضًا، في نهاية الحديث، يضع يده على كتفه ويودعه إلى أن يلقاه في اليوم التالي، وبذلك اختتم المرحلة الرابعة والأخيرة وهي تقوية شدّة العلاقة مع الطرف الآخر (السجين). والتي يمكن فيها أن يصبح متعاونًا أكثر من أي وقت مضى، وهذه هي باختصار "معادلة الصداقة".


القرب:

القرب هو المسافة الفعلية بينك وبين شخص آخر. على سبيل المثال ، إذا كنت تجلس بجانب شخص ما في المدرسة أو العمل ، فستكون لديك فرصة أفضل للتواصل معه أكثر من شخص تعرّفت عليه على "التويتر" ويبعد عنك عشرات الأميال.


التكرار:

التكرار هو عدد المواجهات بينك وبين الشخص الآخر. إذا ذهبت إلى المقهى كل يوم وشاهدت موظف أخذ الطلبات نفسه، فستنشأ بينكما علاقة أكثر من الموظف الذي تشاهده في السوبرماركت مرة واحدة في الشهر.


المدة:

المدة الزمنية هي المدة التي تقضيها مع الشخص في كل مرة تلتقي به. من المرجح أن تنشئ تواصلًا أقوى في كل مرة تزيد من الوقت الذي تقضيانه معًا.


الشدة:

هي شدّة العلاقة، وهي مدى اتصالك (جسديا ونفسيا) مع الشخص الآخر خلال التواصل اللفظي وغير اللفظي. وذلك من خلال الحوار الذي تتشاركون فيه نفس المنطق والعاطفة، ومن خلال تبني نفس القيم الأساسية المشتركة، ومن خلال القدرة على المزاح والإضحاك، و من خلال اللمس الاجتماعي الذي يصبح أكثر راحة، حينها تشتد العلاقة ويرتبط الشخصين أكثر.


الصداقات المحتملة

إضافة إلى ما سبق، يضيف العميل "سكافر" أمر آخر لا يقل أهمية عن معادلة الصداقة. وهي التمهيد لاستقبال الصداقات المحتملة.


فكثير منّا يفوت على نفسه فرصة استلطاف الناس له بطريقتين: فإما يرتدي على وجهه آلية دفاعية دون إدراك منه تتمثّل في لغة جسد دفاعية، فيكون مقطّب الحاجبين طوال الوقت.


أو العكس تمامًا فيكون دعوة مفتوحة للتعرّف تتمثل في ارتداء ابتسامة على وجه طوال الوقت، مع الذي يعرفه والذي لا يعرفه، الأمر الذي يجعل ابتسامته تفقد معناها.


هذه الإشارات الجسدية قد لا ندركها مباشرة، لكن عقلنا الباطن يلتقطها، فتفسّر كثير من أسباب عدم ارتياحك من بعض الناس على الرغم من عدم معرفتكم لهم.


رفع الحاجبين

ينصح "سكافر" بالانتباه إلى حاجبينا عند الالتقاء بمن تريد كسب وده، فارتفاع الحواجب عند إلقاء التحية، ترسل رسالة إلى الطرف الآخر بأنك شخص ودود وغير مؤذ، ويمكن أن يكون صديقًا، أمّا قطب الحاجبين، أو حتى عدم تحريكهما عند التحيّة، فيرسل إشارة بأنك شخص يجب توخي الحذر منه، أو ربما تصنّف ضمن خانة الأعداء!


إمالة الرأس

الإشارة الثانية التي ينبغي الانتباه لها هي عند الإصغاء، فحركة بسيطة مثل إمالة الرأس قليلًا، تبرز الشريان السباتي في الرقبة، الذي بدوره يزيد من كمية الأكسجين المتدفق إلى المخ، فنحن لا نقوم بالكشف عن هذه المكان القابل للاختراق من الرقبة إلا أمام الأشخاص الذين نعتقد بأنهم ودودين وغير مؤذين.


أمّا الأشخاص الذين لا نرتاح لهم، فسيكون الإصغاء والرأس في مكانه الطبيعي بين الكتفين.


الابتسامة المستحَقة

ماذا عن الابتسام، هناك فرق بين الابتسام عن قصد لمن يستحق، وبين توزيع الابتسامات مجانًا، في المرة القادمة التي تبتسم لشخص ترغب في كسب ودّه، التفت إليه، وانظر إلى عينه، ثم اجعل ابتسامتك تنمو ببطء على وجهك، حينها سيدرك الطرف الآخر أن هذه الابتسامة صنعت من أجله وخصيصًا له، وليست لكل الناس!


معادلة الصداقة وتهيئة الجو للصداقات المحتملة تزيد من فرصك في كسب الأصدقاء، لكن ماذا لو كنت أنت في الطرف المقابل؟ ماذا لو كان هناك أحدهم يحاول إثارة إعجابك ونيل استحسانك؟ ماذا لو تطوّرت الأمور أكثر؟


القرد المثير

في بعض الأحيان، قد تجدون أنفسكم في موقف معين، ويحاول فيه شخص ما التعرف والتودد إليكم، معظم الناس أصبحت لديهم خبرة في التقاط الإشارات، لكن هناك قلة لا بأس بها – وأنا كنت منهم – لا تحسن قراءة الإشارات، ولا ندرك إن كان الطرف في الجهة المقابلة معجب أم لا، فهل فعلًا يحاولون التودد؟ أم يتهيأ لكم؟


طبعًا سأكون آخر شخص يقدم لكم نصيحة بهذا الشأن لكن لحسن الحظ أصبح هناك علم قائم على قراءة هذه الإشارات، وتجيب على هذا التساؤل "جين سميث"، الخبيرة في فن المغازلة، (نعم يا صديقي، إن كنت محتارًا في التخصص التي تختاره في الجامعة)، وعلى ما يبدو يستدعيها الأفراد والمؤسسات للاستفادة من خبراتها وأبحاثها.


ووفقًا لما تقوله السيدة سميث (أفترض ذلك، لا أعلم إذا كانت متوفرة)، فإن العلم يخبرنا بأن هناك ستة إشارات رئيسية يمكنكم ملاحظتها لمعرفة ما إذا كان الشخص الذي أمامكم يحاول ملاطفتكم والتعرف إليكم أم لا، والتي تختصرها بالعبارة التالية: HOT APE أي القرد المثير.


المزاح | Hilarious

يبادر بعض الأشخاص بالمزاح، والتي قد تكون إما مسلية ومضحكة أو غير لائقة إطلاقًا، وهي وسيلة أخرى تستطيع التعرف فيها على مقدار الأشياء المشتركة بين الطرفين. فإن كانت المزحة ثقيلة أو غير مفهومة أو سمجة، فيفضّل الانسحاب.


الانفتاح | Openness

يمكنكم فهم بعض الإشارات من خلال لغة الجسد، فالذراعين المفتوحتين دعوة مفتوحة للتعرّف، بينما تشبيك الذراعين وضمهما، فهي وضعية دفاعية تصد أي محاولة للاقتراب، كذلك مواجهة الطرف الآخر بالجزء الأمامي من الجسم بكلا الأكتاف توحي بالاهتمام والانتباه الكامل، أما المواجهة بالرأس فقط دون تحريك كامل الجسم، فتوحي بأن لدى الطرف الآخر أشياء أخرى أهم منكم، كذلك عليكم النظر إلى القدمين، فإذا كانتا تتوجهان إلى أقرب مخرج أو إلى أي اتجاه آخر غير الشخص المقابل، فهي قدمان تتهيآن إلى الهرب.


اللمس | Touch

يعد اللمس أحد الإشارات والرسائل المباشرة التي توحي بالاهتمام، وعادة ما يكون لها استجابة إيجابية، وكقاعدة عامة، يكون لمس الكتف أو أعلى الظهر بين الكتفين الأكثر أمانًا، اللمس أيضًا إشارة من صاحبها تفيد بأنه يريد الانتقال من دائرة الزملاء إلى دائرة الأصدقاء المقربين (أو ربما أكثر من ذلك بقليل).


الانتباه | Attention

أحد الوسائل الفعالة في قراءة إعجاب شخص ما واهتمامه هي من خلال الانتباه لرد الفعل، ويمكن من خلال "ملاحظة ردة الفعل، لكل إشارة معرفة ما إذا كان الطرف الآخر يبادلكم الاهتمام أم لا، وذلك من خلال قياس مقدار الانتباه والتفاعل والإصغاء الذي يبديه.


الاقتراب | Proximity

يستخدم الاقتراب من خلال طريقتين.. الأولى إذا وجدتم شخصًا في آخر القاعة، ثم تفاجأتم بظهوره فجأة بجانبكم، فهذه ليست صدفة، وإنما تعني بأنه أعجب بما رآه من بعيد، ويرغب في الاقتراب والاستكشاف أكثر. أما الطريقة الثانية، فعادة تكون أثناء الحوار، فيقترب أحد الطرفين أكثر من العادة، فإذا كنتم تبادلونهم نفس الشعور، فذلك أمر جيد، أما إذا كنتم غير مهتمين، فستجدونهم في وسط مساحتكم الشخصية، وربما تضطرون لتحمل رائحة أفواههم (خصوصًا إذا كانوا يقدّمون المقبّلات بالثوم).


الاتصال البصري | Eye contact

أهم وسيلة على الإطلاق للتعرف على ما إذا كان الطرف الآخر مهتمّا هي من خلال الاتصال البصري، فعندما يكون الطرف الآخر معجبًا، فستلاحظون أن التحديق يتكرّر أكثر، مع إطالة النظر في كل مرة.


لذا بملاحظة هذه الإشارات مثل المزاح ولغة الجسد واللمس والانتباه والاقتراب والاتصال البصري، أو حتى بعضها، فيمكنكم معرفة إذا ما كان هناك شخص ما معجب بكم أم لا، وكقاعدة عامة، كلما زادت الإشارات، كلما كانت الرسالة أوضح.


عندما يتم التفكير بهذا القواعد بهذه البساطة، تتغيرعندنا مخاوفنا المتعلقة بالرفض، والتوتر وانعدام الثقة، فقد أصبحت أدوات العلم الآن في خدمتكم لتذكر الخطوات التي يجب القيام بها، والأهم من ذلك، يمكن من خلالها أيضًا إبداء الاهتمام من قبلكم باستخدام نفس الخطوات، وأخذ زمام المبادرة في كسب ود الأشخاص من حولكم (حظًا موفّقًا).

  • Black Facebook Icon
  • Black Twitter Icon
  • Black Instagram Icon

© 2019 Abdulla Alsharhan

sharhans.com