• عبدالله الشرهان

ما خلف العلامة الخضراء

تاريخ التحديث: 18 ديسمبر 2018

من المقرر أن نقوم في هذا الصباح بزيارة استديوهات تصوير افتح يا سمسم وعيش تجربة تصوير حي للحلقات. درجة الحرارة في الخارج تلامس الصفر مئوية، إلا أن حرارة شغفنا بهذه الزيارة كانت تشعل الروح والقلب معاً.


مررنا بعدة محطات تضمنت ورشة بناء مواقع التصوير، حيث تتم فيها أعمال النجارة والصبغ والتأثيث لمواقع تصوير الحلقات، بعد ذلك انتقلنا إلى استوديو التسجيل حيث يتم فيها مراقبة التصوير من خلال ثلاث كاميرات، كما يجلس فيها مراجع لسيناريو الحلقة ويتأكد أن كل ما تم تصويره مطابق للنصوص، ثم يأتي دور مهم لشخص آخر مهمته اكتشاف الأخطاء الثقافية والتربوية والأكاديمية التي قد تظهر أثناء التصوير، أيضاً يقوم بالتأكد من أن ما يجري تصويره في الحلقة لا يتعارض مع قيم المجتمع أو منهاج شارع سمسم.


المحطة التالية كانت ساحة التصوير الحي بين أروقة المباني التي صممت خصيصاً لتصوير الحلقات.. لقد طلب منا الصمت حقيقة لبدء التصوير، لكن ما كانوا يجهلونه أننا كنا عاجزين بالفعل عن الكلام بسبب سحر تلك اللحظات التي قضيناها في ذلك المكان! ، فللمرة الأولى أرى بأم عيني كيف يقومون بتحريك دمى إلمو وكعكي وقرقور، وكيف يتفاعل معها الممثلين، وللمرة الأولى أرى مبدعيها الحقيقين الذين أسعدوا الأطفال طوال السنوات الماضية، لا أدري كم مرة اضطروا فيها لإعادة ذلك

المشهد الغنائي، لكن ما أذهلني حقاًهو الجهد الكبير الذي يبذله محركوا تلك الدمى، فمن أجل تحريك شخصية مثل كعكي على سبيل المثال، يتطلب الأمر شخصين لتحريكه بحركات منسجمة، ناهيك عن أنه ينبغي عليهم أن يجلسوا متلاصقين على قواعد متحركة، ويبقون أيديهم مرفوعة للأعلى طوال الوقت، وفي نفس الوقت عليهم أن يخفون أنفسهم جيداًحتى لا تلتقطهم الكاميرا، وفي أسفلهم شاشات صغيرة تعرض ما تقوم الكاميرا بتصويره، ويستطيعون أن يعرفوا من خلالها إذا ما كانوا يحسنون صنعاً.


كنت أتساءل ما الذي يدفع أي شخص في مكانهم إلى تحمل كل هذا العناء والمشقة في حين قد تكون هناك خيارات أسهل في الحياة؟.. ما أن انتهى التصوير وبدأت فترة استراحتهم حتى تبين لي سر ذلك، فبدلاًأن يأخذوا قسطاًمن الراحة تواجهوا مباشرة نحونا مرتدين تلك الدمى المرحة ليرسموا الابتسامات على وجوهنا بتلقائية وعفوية شديدة.. فقد تحدثت إلينا شخصيات كعكي وإلمو وأوسكار مباشرة في لحظات لا توصف، والتقطت معنا صور تذكارية لا تنسى.. إنه في نظري سحر إسعاد الأخرين وإدخال السرور إلى قلوبهم، فمتى ما جرب الإنسان ذلك، لا يمكن لأي شيء آخر أن يكون أكثر إسعاداًله، حيث ينسى كل آثار التعب والمشقة بمجرد أن يرى أن جهوده قد كانت سبباًفي رسم الابتسامة على وجوه الآخرين.


بعد استراحة الغداء التقى بنا كبير كتاب شارع سمسم وأحد محركي الدمى الرئيسيين.. وذلك ضمن جلسة نقاش مع بقية أفراد المجموعة، فقد شاركونا بخبرتهم العريقة، وألهمونا بالكثير من النصائح والأسرار والتلميحات والحيل التي تساعد في إنتاج أفضل. حيث شرحوا لنا تاريخ عرض شارع سمسم، وكيف كان يصل عدد الحلقات إلى ١٣٠ حلقة في الموسم الواحد ويكتبها أكثر من ٢٠ كاتبًا، ثم استعرضوا كيف تغير أسلوب عرض البرنامج إلى ٢٦ حلقة في الموسم الواحد يكتبها ٨ كتاب سيناريو، وكيف تم التحول من نمط الفقرات المنفصلة، إلى نمط الحلقة المتصلة الأحداث، والتي تصل مدتها إلى ساعة كاملة – في استثناء فريد من نوعه لهذا البرنامج التربوي - وكيف كان عليهم أن يتخذوا مثل هذا القرار استجابة لتأثير التحديات الجديدة التي تطرأ مع كل جيل.


ثم انتقلوا للحديث عن كيفية قيامهم باختيار وانتقاء محركي الدمى، ومن المثير للاهتمام قولهم بأنه من الضروري أن يتصف محرك الدمى بخصائص معينة أهمها ألا يخشى على الإطلاق من أن يظهر بمظهر غبي أو مجنون، أما المخرج،

فمن الضروري أن تكون له خبرة في تحريك الدمى وملماً بما فيه الكفاية في العمل معها.


انتهينا من هذه التجربة الفريدة وعدنا أدراجنا إلى مكاتب مؤسسة افتح ياسمسم، وكان الموعد مع عرض تقديمي جديد حول استعراض النسخ المختلفة من إصدارات شارع سمسم حول العالم، وكيف تم ابتكار شخصيات تلائم كل إصدار، وذلك لتلائم متطلبات وخصوصية كل بلد على حدة، مثل شخصيات نعمان وملسون وعبلة التي تم تطويرها لأول إصدار عربي من افتح يا سمسم عام ١٩٧٩ - بعد ذلك انتقلنا للحديث عن تجهيز موقع التصوير وأهمية محاكاته للبيئة المحلية التي يستطيع أن يرتبط بها المشاهدون الصغار، مثل ساحات اللعب والبقالة وحتى أشكال المنازل وأشجار الحدائق. حيث يميل مشروع شارع سمسم إلى تطوير وابتكار عوالم جديدة لكل إصدار محلي ينتجه مبدعون محليون.. مختلفة في الشكل، ومتفقة في الانسجام والروح والهوية، وعلامة شارع سمسم الأصلية.


وبمناسبة الحديث عن الهوية، بدا وكأنه الوقت المناسب للحديث عن الهوية المؤسسية لعلامة شارع سمسم التجارية. حيث لخص متحدثوا التسويق ذلك في نقاط أساسية أبرزها بأن من يكون عضواً في هذا المشروع فإنه يمثل هوية شارع سمسم طوال الوقت، ثم تم التنبيه إلى ضرورة ارتباط هوية شارع سمسم بالواقع، والمحافظة على كونها أمراً حقيقياً ملموساً، والتركيز على عنصر المرح وروح الفكاهة المرتبط بشخصيات عالم سمسم، مع الانتباه أن تكون الدمى هي محور العرض، ثم تم التنويه إلى أمر آخر ذو أهمية كبرى وهي المحافظة على الثقة المتبادلة التي أولها جمهور عالم سمسم لهذه العلامة طوال السنوات الماضية.

  • Black Facebook Icon
  • Black Twitter Icon
  • Black Instagram Icon

© 2019 Abdulla Alsharhan

sharhans.com