• عبدالله الشرهان

عملة لا تقدّر بثمن

تاريخ التحديث: 4 فبراير 2019



يبدو أن خبر موهبتي في الرسم والخط قد انتشر بين أفراد العائلة، كان ذلك عندما كنت في المرحلة المتوسطة.. وكضريبة لهذه الشهرة، ولأن والدتي (حفظها الله) معروفة بالكرم الحاتمي، فقد كانت كل واجبات أقاربي من كرّاسات الرسم واللوحات الجدارية (الوسائل) تبدأ وتنتهي عندي.


كنت أسهر الليالي من أجل إنهاء لوحات جدارية لأقاربي لكي يحصلوا على درجات نشاط إضافية، أو حتى رسم المواضيع المطلوبة لمادة التربية الفنية لغيري، لم أتذمر أبدًا، سوى من مغالبة النعاس لعيني في كثير من الأحيان أثناء تلوين هذه الخريطة، أو خط الآيات على تلك اللوحة، حتى أنه في بعض الأحيان، كانت أمي تُلوّن عنّي عندما يغالبني النوم، ويبدو أن الحيلة كُشفت عندما كانت النتائج (…) لنقل غير متوقعة!


بعدما كبرت قليلًا.. تطوّرت موهبة الرسم وأصبحت أتقن رسم البورتريه (الوجوه)، فبدأ عهد الأصدقاء (حلمنا نهار، ‏ونهارنا عمل)، لكن بدأ عهد تلبية طلبات رسمهم أو رسم أقاربهم، وكنت أقوم بذلك بكل سرور، خصوصًا وأنني كنت في بحث دائم عن وجوه جديدة أرسمها، وذلك في ظل عدم توفر شيء اسمه الانترنت أو جوجل في ذلك الوقت (كانت المجلّات والجرائد هي المصدر الوحيد).


لا شك أن هذه الواجبات الإضافية كانت سببًا آخر في تدريبي أكثر على الرسم، لكنني لم أشتك طوال الوقت، إلا أنه كانت لدي مشكلة واحدة فقط.. لم أكن أطلب أي شيء في المقابل من أي أحد، بكثر ما كنت أقوم بالعطاء، فكانت معادلة خاسرة لي.. حتى تعلمت في مرحلة ما أن أتوقّف، بل أسوء من ذلك.. وصل بي الحال أن يكون شعاري مأخوذًا من مقولات ألَد أعداء ”باتمان“: ”إذا كنت جيّدًا في شيء ما، لا تقم به مجانًا” - الجوكر.


هذه الطفولة أثّرت في مفهوم العطاء والتطوّع بالنسبة لي، فقد كنت آخر من يؤمن بهما، فقد وجدت أن الناس مستعدّة أن تأخذ وتأخذ.. دون أن نحصل على شيء في المقابل، بل وأسوء من ذلك، لا تحصل حتى على راحتك من النوم أو كلمة شكر أو أي نوع من التقدير، إلى أن أصبحتُ أكثر حرصًا على من يحصل على ماذا ومقابل ماذا.


لم أكن وحيدًا بهذا الاعتقاد، إذ أن ”ستيفن كوفي“ صاحب كتاب ”العادات السبع لأكثر الناس نجاحًا“ كان يوافقني الرأي تمامًا فيما يخص الانتقال من مفهومي ”أنا أربح أنت تخسر“ أو ”أنا أخسر أنت تخسر“ إلى مفهوم ”أنا أربح أنت تربح“. ولذلك وضعت العادة الحاتمية خلفي، وبدأت عهدًا جديدًا لا مكان فيه للمجاملات، مفتونًا بشعارات ”ستيفن كوفي“.


من خلال هذ المفهوم.. استطعت قطع شوط كبير في حياتي، ابتداء من العمل كمستقل منذ مقاعد الدراسة الجامعية.. حتى أولى خطوات تأسيس شركة تضم جميع الخدمات التي كنت أقدمها (أجيال للإعلام)، كان كل شيء يسير على ما يرام، حتى غيرّت وسائل التواصل الاجتماعي قواعد اللعبة.


عندما ظهرت وسائل التواصل الاجتماعي، ظهر معها أسلوب عمل جديد، في البداية كان الفيسبوك، ثم التويتر، وأخيرًا الانستغرام و“السناب تشات". في البداية حاولت مجاراتهم، إلا أنه مهما فعلت، يبدو أنني لا أزال أقف مكاني، بينما يتقدم الآخرون بسرعة البرق، هل هو جهد إضافي أم زيادة مستوى المهارة أم مجرد حظ؟ فهل فاتني شيء ما؟


أصبح كل ما أعرفه محل شك! فلم يعد مفهوم ”أنا أربح أنت تربح“ يعمل!، ولم تعد تهم الجودة أو المحتوى بقدر ما يهم الانتشار، ولم يعد يهم العمل الجماعي المؤسسي بقدر ما تهم نجومية الأفراد، ففي منتصف الوقت الذي كنت أعمل فيه تحت غطاء العمل المؤسسي الجماعي سواءً في أجيال أو افتح يا سمسم، بدأ عصر نجوم التواصل الاجتماعي يأخذ حيّزًا كبيرًا، والذين سرعان ما أصبح يُطلق عليهم ”المُؤثرّين“. حينها أدركت بأنني بحاجة إلى إعادة النظر إلى أساليبي وقيمي من جديد.


أحد المهتمّين بالنجاح على الصعيد الشخصي والمؤسسّي هو البروفيسور ”آدم جرانت“، وهو يروّج لمفهوم جديد فيما يتعلق بالأخذ والعطاء والربح والخسارة، فهو يتحدث عن شيء ما يشبه ”أنت تربح وأنا لا أحصل على شيء على الإطلاق“. فهل هو نوع جديد من الكرم الذي يقود صاحبه للنجاح؟ لقد جرّبت الكرم سابقًا ولم ينفع معي، لكن هل أصبح الكرم سمة هذا العصر، ووسيلة للنجاح؟


ينشر البروفيسور آدم جرانت مولف كتاب ”خذ وأعط“ نتائج أبحاثه على الطلاب العاملين فيما يتعلق بفمهومهم لأسباب نجاح الناس من وجهة نظرهم، وكانت الإجابات كما هو شائع، وبعيدة كل البعد عن مفهوم العطاء، فهي تتلخص في ثلاثة أسباب: الأول هو الاجتهاد.. فهم يعتقدون أن الناجحين يميلون إلى أن يكونوا عاملين مجتهدين ومجدّين، والثاني كان الموهبة، فالناجحين هم موهوبين في الأساس فيما يتعلق بالأشياء التي يقومون بها حسب اعتقادهم، والسبب الثالث: هو الحظ فهم يعتقدون أن الحظ هو السمة المشتركة التي يتميز بها الناجحون. وذلك بسبب تواجدهم في المكان المناسب في الوقت المناسب، ولذلك كان الحظ حليفهم. إذا كنت تتّفق معهم في الرّأي مثلي، فسنكون جميعًا مخطئين، لأن جميعهم أغفل شيئًا مهمًا من وجهة نظر البروفيسور ”جرانت“، وهي طريقة تعاملنا مع بعضنا.


فإذا سألت نفسك: هل تعتقد أن فرص نجاحك ستكون أفضل لو كانت لديك علاقات أفضل؟ وهل تعتقد بأن حجم راتبك وفرص حصولك على الترقية لها علاقة باجتهادك أو موهبتك أو حظّك، أم أنها بسبب علاقاتك في مؤسستك؟


لسوء حظ كثير من المجتهدين والموهوبين العاملين بصمت، هكذا أصبحت تحدث الأشياء، فبدون أن تحدث ضجة أو تعرف أحدهم، لن يلتفت إليك أحد. يقول روبرت بينتشلي: ”هناك نوعان من الناس: أولئك الذين يقسّمون العالم إلى نوعين من الناس، وأولئك الذين لا يفعلون ذلك“. فالنّاس في النهاية أنواع، و“آدم جرانت“ يؤمن أيضًا بمبدأ التقسيم، لكن لثلاثة أنواع من الناس.


الأنانيّون

الأنانيون هم أولئك الذين يأخذون أكبر قدر ممكن دون أن يعطوا، وإن أعطوا لا يعطون سوى القليل، والأسباب التي تدفع هؤلاء الناس إلى هذا التصّرف الأناني تكون إما أن يكونوا نرجسييّن (يحبّون أنفسهم كما أن الكون يدور حولهم)، أو أنهم كانوا كرماء فيما مضى، لكنهم إما تعبوا أو لُدغوا أو تعرضوا لخيانة ما بسبب سذاجتهم في العطاء ولا يريدون تكرار الأمر، (أو قد يكونوا مرضى نفسييّن ويحتاجون إلى مصح عقلي).


الكرماء

أما النوع الثاني فهم ”الكرماء“، وليس بالضرورة أن يتبرّعوا بأموالهم أو يتطوّعون، وإنما هم أولئك الذين لا يتوانون عن خدمة ومساعدة غيرهم، ومشاركة المعلومات، وتعريف الناس ببعضهم دون أن ينتظروا شيئًا، وهولاء تجدهم محبّين للمساعدة إما بسبب الطريقة التي تربّوا بها أو لأسباب دينية بحيث أن هذا ما يأمرنا به الدين، أو بسبب طبيعة شخصيتهم التي تميل إلى تحقيق نوع من السعادة من خلال العطاء.


العادلون

النوع الثالث والأخير فهم ”العادلون“ وهم مُتمثّلين في بقيّة الناس، فهم أولئك الذين يوازنون بين الأخذ والعطاء حسب الموقف (ساعدني وسأساعدك)، فهم يؤمنون بمبدأ العدل والمساواة، فلا يجب أن تحصل على شيء دون مقابل، ولا يمكن أن تحصل على معروف دون أن تكون مدين لي بمعروف آخر، فهم لا يريدون أن يكونوا أنانيين، وفي نفس الوقت لا يريدون أن يكونوا ضعفاء فيستقلّهم الأنانيّون ويصعدوا على أكتافهم وعلى حسابهم، ومثل بقية الناس كان هذا التصنيف الذي وجدت نفسي أميل له في البداية.


لماذا نهتم؟

جميعنا يدرك أننا نعيش في عالم غير عادل، فلماذا نحاول الاختلاف عن البقية، وتبني قيم العدل والمساواة؟ وطالما لا مكان لِلّطف والكرم في عالم تعيش فيه الضباع والثعابين، أليس من الأفضل أن يكون الشخص أنانيّاً، وينتهز الفرصة طالما أتيحت له، لأنه نظام غير عادل، وهذه الفرص لن تتكرر مرة أخرى، وأنت لست مسؤولًا عن بقية الناس في النهاية، أليس كذلك؟ يقول هارفي دينت الذي تحول إلى ”ذي الوجهين“ في فيلم ”باتمان“: ”إمّا أن تموت بطلًا أو تعيش طويلًا لتجد نفسك تتحوّل إلى شخص شرّير“.


أسلوب حياة الناجين

من بين الأشياء التي بحث عنها البروفيسور آدم جرانت، هو إن كان هناك نوع محدّد من هذه الأنواع الثلاثة من الناس (الأناني - الكريم - العادل) له فرصة أكبر في النجاح أكثر من البقية، حيث قام بإجراء أبحاثه على ثلاثة قطاعات وهم المهندسون والأطباء والبائعين.


الكرماء في أسفل السلّم

كانت نتائج أبحاثه مثيرة للاهتمام، إذ وجد في بداية الامر أن أقل الناس تحقيقًا للنجاح هم الكرماء!، فالمهندسين الأكثر قيامًا بالأخطاء هم الكرماء، فيبدو أن مساعدتهم الآخرين طوال الوقت لم تبق لهم وقتًا كافيًا لإنجاز المهام بحذر في الوقت المحدد، أما بالنسبة لطلاب الطب، فوجد أيضًا أنّ من حصل على أدنى درجات في الطب هم أولئك الذين يوافقون على مقولات مثل ”أحب مساعدة الآخرين“، و“أقدّم مصالح الآخرين على مصلحتي“، فهم يقضون وقتًا أكثر في مساعدة زملائهم الآخرين لتحصيل درجات أفضل، وذلك بدلًا من قضائه على أنفسهم وزيادة معلوماتهم أكثر.


أمّا أكثر النتائج طرافة فكانت تلك المتعلقة بالبائعين، فوجد أن أقل البائعين تحقيقًا للمبيعات هم أولئك الصادقين! فهم يميلون إلى مساعدة المشترين، وعن غير قصد لا يرغبون في بيعهم منتجات لا تعمل، فيخبرونهم بعيوبها مباشرة!


في المقابل، على الرغم من قلة تحقيقهم للنجاح الفردي، وجدت كثير من الأبحاث السابقة أن الكرماء لهم تأثير إيجابي كبير على مؤسساتهم، وعلى مجتمعاتهم، فتأثير الكرماء الجماعي على سبيل المثال في خدمة العملاء رَفَع من مستوى أداء المؤسسات التي يعملون بها إلى حد كبير.


من في أعلى السلّم؟

لكن إذا كان هذا حال الكرماء في أدنى مراتب سلّم النّجاح، فمن يا ترى سيكون في أعلى السلم؟ كثير من الناس يتوقعون أن العادلون هم من سيكونون في المقدمة، فمعظم الناس لا يريديون أن يكونوا لؤماء ويأخذون بدون مقابل، وفي نفس الوقت لا يريدون أن يكونوا لطفاء بشكل مبالغ فيه فيصبحوا مِمسحة يستخدمهم الجميع دون مقابل، فمن الطبيعي أن يكون الموازنين بين الأخذ والعطاء هم في المقدمة، إلا أن النتائج كانت مثيرة للاهتمام أيضًا في هذا السياق.


الكرماء مرّة أخرى

حيث وجد الباحث أن الكرماء مرّة أخرى هم من احتل أعلى مراتب سلم النجاح أيضًا! والسؤال الذي يطرح نفسه من جديد، ما الذي يقوم به الكرماء الناجحون، والذي يمكن أن يتعلم منه بقية الناس؟ فبينما يكون للأنانين والموازنين سقف محدد يصلون إليه للنجاح، يتجاوزه الكرماء ويصلون إلى أعلى مراتب النجاح.


قوانين العطاء

فإذا ما كنّا نرغب في تجاوز هذا السقف، علينا تعلم أشياء معينة من أسلوب حياة الكرماء. الأمر الآخر هناك أشياء أخرى يمكن أن يتعلم منها الكرماء الذين هم في أدنى سلّم النجاح من الكرماء الذين هم في أعلاه.


يوافق هذا الرأي كل من الكاتبان بوب بورج وجون ديفيد، مؤلفا كتاب ”المُعطي" وهي أن سبيل الحصول على أكبر قدر من النجاح تبدأ بالعطاء بأكبر قدر ممكن، ولحصول ذلك، يروّجان إلى أربعة قوانين رئيسية في العطاء.


قانون القيمة:

هل اشتكيت مرة من قلة ما يدفع لك مقابل ما تقوم به من عمل؟ أو من ضعف راتبك مقابل الجهد الذي تقوم به؟ لنضع أنفسنا مكان صاحب العمل أو الزبون.. فكّر في آخر مرّة قررت فيها شراء شيء ما، لنقل هاتفًا جديدًا فأنت تنظر أولًا إلى المزايا التي ستحصل عليها من هذا المنتج، جودة الكاميرا، سعة الذاكرة، جودة التصنيع، عقد الصيانة، ثم في النهاية تنظر إلى بطاقة السعر، فإذا كانت مجموع المزايا التي ستحصل عليها في نظرك تساوي أكثر من بطاقة السعر، فإننا في الغالب نتّخذ قرار الشراء (هذا إذا كان في المحفظة ما يكفي)، أمّا إذا كان مجموع المزايا التي ستحصل عليها أقل من السعر المطلوب، فإننا في العادة لا نتخذ قرار الشراء. ولذلك يتلخّص قانون القيمة بأن ”قيمتك الحقيقية تتحدّد في ما مقدار ما تمنحه من قيمة مقابل ما تحصل عليه من مال، فحصولك على المال أو النجاح أو الشهرة هو امتداد وصدى للقيمة التي تمنحها، فالقيمة التي تصنعها تأتي أولًا ثم يأتي المال كتحصيل حاصل.


قانون الدخل:

هل تتذكر تلك الأيام التي كنت تؤجر فيها الأفلام من فيديو وتسجيلات الحي الذي تسكن فيه؟ (إذا لم تعاصر هذه الحقبة، فهذا باختصار ما كان يحدث قبل نتفلكس!) ما هو الدخل المتوقع لكافيتريا الحي؟ أو المصبغة أو البقالة؟ هل تعتقد بأنه مثل دخل سوبرماركت المدينة؟ لننتقل إلى شيء آخر، ماذا عن تطبيقات تلقي الطلبات ”طلبات.كوم“؟ أو ”كاريج“ أو ”إنستاشوب“ أو حتى ”نتفلكيس“؟ قانون الدّخل يتمثّل في مقدار عدد الأشخاص الذين تقدّم لهم خدماتك، وليس هذا فقط، بل يمتد إلى كيفيّة خدمتك لهم، فإذا كان نطاق الأشخاص الذين تخدمهم هم عائلة واحدة وأنت تعمل طبّاخًا أو عاملًا لديهم، فإن دخلك بالتالي سيكون محدودًا بالمنزل الذي تخدم فيه، أما إذا وسّعت أعمالك على سبيل المثال وأصبحت كهربائيًا وتخدم أكثر من منزل في الشارع، فإن دخلك سيزيد، لأنك أصبحت تخدم أكثر من عائلة، وهكذا، كلما زاد عدد الأشخاص الذين تخدمهم، وكلما زادت جودة خدماتك لهم، كلما تحسّن دخلك، فقانون الدخل، يتلخص في أن ”قيمة دخلك مرهونة بعدد الأشخاص الذين تخدمهم وكيفيّة خدمتك لهم“.


قانون التأثير:

هل تذكر بداية ظهور جوجل؟ فيسبوك؟ انستغرام أو حتى سناب جات؟ هل تذكر أنهم طالبوك بأية مبالغ نظير استخدام خدماتهم؟ كل ما كانوا يقدّمونه هو خدمات رائعة مجانًا بدون أي مقابل، حتى أصبح جوجل اليوم يجري أكثر من 3.5 مليار عملية بحث مجّانية يوميًا حسب موقع “Internet live stats”، أما فيسبوك فإن عدد مستخدميه بلغ أكثر من ٢.٣ مليار شهريًا في نهاية ٢٠١٨ حسب موقع “Statista”. هل تعلم بأن الشركات الناشئة في وادي السيليكون لا تقاس قيمتها بمقدار دخلها، وإنما تقاس بعدد المستفيدين من خدماتها المجانية شهريًا؟ فإذا أردت الاستفادة من قانون التأثير، يتوجب إعادة التفكير في طريقة النظر إلى مصالح الآخرين، وتقديمها بشكل كبير على مصلحتك. فقانون التأثير، ينص على أن ”تأثيرك يتحدّد بمقدار إعطائك أولوية لمصالح الناس على مصلحتك“، وإن تطلب الأمر ”أنت تربح أنا لا أحصل على شيء“. فالمقابل الذي ستحصل عليه ليس بالضرورة بشكل مباشر، وإنما سيأتي على أشكال مختلفة ومن أطراف ثالثة لم تخطر على بالك.


قانون القبول:

يقول ”آدم جرينت“ أن ٧٥٪ - ٩٠٪ من كل أفعال الكرماء في المؤسسات تبدأ بطلب من أحدهم، بالمقابل لا يبدو أن كثير من الناس مستعدة للسؤال أو طلب المساعدة، لأننا جميعًا نريد أن يرانا الناس أقوياء، ففي الثقافة السائدة التي لا تقدّر الضعفاء، وتمجّد الأقوياء، تجد أن الكرامة أو الخجل تمنع الكثيرين من استقبال المساعدة بكل أشكالها، فإذا أردت ضمان البقاء في دائرة العطاء، وعدم التملمُل أو الشكوى منه، يجب أن يكون المرء مستعدّا لاستقبال أو طلب المساعدة في بعض الأحيان فالقانون الرابع الخاص بالعطاء ينصّ على أن ”عطاؤك يصبح أكثر تأثيرًا، إذا كنت متاحًا لقبول عطاء الآخرين أيضًا“.


نحو مجتمع أكثر عطاء

كل ذلك الشعور الرائع بالعطاء والإحساس بالسعادة وتحقيق أقصى درجات النجاح يجعلنا نتساءل، ما الذي يمنع إذًا بقيّة الناس من التحوّل إلى الكرم والتطوّع في خدمة الناس؟ يطرح ”آدم جرينت“ عدّة حلول تساعد على تحول المجتمع من حولنا من مجتمع أناني أو عادل إلى مجتمع أكثر عطاء وكرمًا، وذلك من خلال عدة حلول:


حماية الكرماء كثير منّا في بداية حياته يؤمن أن الحياة وردية، ومن أجل الحفاظ على نظرة التفاؤل هذه، يجب تأمين حماية اللطفاء والكرماء من أن يتعرضوا لأي صدمة تمنعهم من الاستمرار في العطاء. أحد أهم الأسباب التي تجعل الكرماء في قمة مراتب النجاح هي قدرتهم على تحديد نوع ووقت معين من الكرم بشكل مستمر. فهم لا مشكلة لديهم أن يعطون دون مقابل، لكن بطريقة ووقت محدد، تضمن حمايتهم من الإنهاك أو الاستغلال. فالسر يكمن في إيجاد وسائل صغيرة لإضافة أكبر قيمة لحياة الناس من حولهم، فقد تكون مجرد تعريف شخصين ببعضهما لهما نفس الاهتمام مما يمكن أن يحققّا النجاح معًا، أو قد تكون مشاركة القليل من المعرفة في مجال معيّن، بشكل يستفيد منه الآخرون وهكذا.


ثقافة طلب المساعدة

يحدّثني أحد الذي وقفوا على التجربة السنغافورية في التعليم بقوله أن المتفوقين، لا يمكن لهم الحصول على درجات كاملة إذا كان هناك طلاب في الفصل يحصلون على درجات متدنية، فلذلك يحرص الطلّاب المتفوقون في سنغافورة - أحد أفضل الأنظمة التعليمية في العالم - على مساعدة غيرهم، لأن تأثير تحسّن مستوى بقيّة الطالب سيمتد إليهم، كيف تتوقع أن يتصرف هذا الطالب المتفوق عندما سيكبر؟ يحتاج المجتمع إلى ترويج ثقافة طلب المساعدة بدءً من المدرسة إلى المؤسسة، وإدراكه بأنه لا بأس من طلب المساعدة من الآخرين، ولا بأس من تلقّيها من حين لآخر.


عملة الكرماء

تقول آسيا ريتشو - مؤسسة "Evolvin ’Women"، المنصة تساعد شركات الضيافة على تضمين المسؤولية الاجتماعية في ممارسات الموارد البشرية، من خلال ربطها بالنساء العاطلات من البلدان النامية: "كان والداي يتعاملان باقتصاد مختلف تمامًا عمّا نعرفه، له عملة مختلفة، فبينما يقيس الناس مقدار ما يجنونه من المال في أعمالهم، كان والداي يقيسونه من خلال عدد الناس الذين غيّرنا حياتهم للأفضل. كانت تلك عقلية مختلفة تمامًا بالنسبة لجنوب إيطاليا". في الوقت الذي تباطأت فيه بينما ‏تقدم فيه الآخرون، أدركت انه عليّ أن أتوقف عن ‏ ‏إحصاء الإنجازات ‏التي قمت بها، واستبدال ذلك بإحصاء عدد الناس الذين ‏أثّرت اعمالي على حياتهم وغيّرتها نحو الأفضل.





  • Black Facebook Icon
  • Black Twitter Icon
  • Black Instagram Icon

© 2019 Abdulla Alsharhan

sharhans.com