• عبدالله الشرهان

من تظنّ نفسك؟


في مرحلة من مراحل حياتي التي لم تكن فيها الأمور على ما يرام، تفاجأت بأحد الأصدقاء - والذي قد أطلق لتوه ماركة علامة أزياء تجارية - يطلب مني أن أكون أحد سفراء هذه العلامة التجارية كعارض وأحد سفراء هذه العلامة! يا للهول؟ ماذا سيقول عني أولاد عمي؟ (في الحقيقة هو واحد فقط). بعد تفكير عميق، شكرته على ثقته ورفضت العرض، ليس لخوفي من أولاد عمي، ولكن لأنني كنت أرى نفسي في ذلك الوقت غير جدير بهذه الثقة التي وضعني فيها.


لقد كنت أرى نفسي وقتها أمام المرآة ضعيفًا مهزومًا محطمًّا وتائهًا، إذ كان يوشك كل شيء أن ينهار من حولي، ولذلك اعتقدت أن صورتي سيكون لها تأثير سلبي على علامته التجارية (على أساس أنني شخصية مشهورة توشك الصحافة الصفراء القيام بنشر غسيله!).


أما من وجهة نظر صديقي، فقد كنت مثالًا للشاب الفنان المبدع الطموح ورائد الأعمال المعروف، والذي أسس شركة لإنتاج الرسوم المتحركة وأنجز للتو أول مسلسل كرتوني عائلي في المنطقة (أخجلت تواضعي!)، لحسن الحظ هكذا كانت صورتي أمام صديقي وأمام الناس، أمّا أمام المرآة فكنت ذلك المحطم الفاشل التي تحاصره الضغوطات الكبيرة، فمالذي يحدث هنا؟


من السهل الحكم على الأشخاص الآخرين من حولك، وذلك من خلال ملاحظة هيئتهم، تصرفاتهم، مقتنياتهم، أو مناصبهم، كل هذه الأشياء تعطيك فكرة وحكمًا مسبقًا على الناس من حولك، (لست مسؤولاً إن كانت أحكامكم عنصرية!)، ولذا نتفاجأ في كثير من الأحيان في فهم الناس الخاطئ لنا عن إمكانياتنا وقدراتنا، السبب قد تكون ببساطة الطريقة التي ترى فيها نفسك، ليس أمام المرآة فقط، وإنما في داخلك.


فكرة كيف ترى نفسك على الرغم من بساطتها فهي كبيرة في تأثيرها، فهي تعود لعام 1960 حين طرح جّراح تجميل يدعى دكتور "ماكسويل مالتز" ملخّص ملاحظاته عن مرضاه في كتابه الذي حقق أفضل المبيعات Psycho-Cybernetics (علم التحكم النفسي). فمن خلال ملاحظة كيف أثرت طريقة رؤية مرضاه لنفسهم قبل وبعد العملية، ووجد الدكتور "مالتز" أن مشرط الجراحة التجميلية لم يؤثر فقط على المظهر الجسدي للمريض، وإنما تعداه لتصل شقوقه إلى أعماق النفس البشرية.


إن هناك شيئًا في جوهر عقولنا يحدد كيف نرى أنفسنا، بِغضّ النظر عن واقعنا، وبالتالي يؤثر على شعورنا وسلوكنا. وهذا ما يسمى بـ"الصورة الذاتية". حيث تعد الصورة الذاتية من أعظم اكتشافات علم النفس في ذلك الوقت.


فبالعودة للمثال السابق في مرحلة من مراحل حياتي، – وعلى الرغم من واقعي الذي كان يبدو ناجحًا – إلا أن نظرتي الدونية لنفسي، كانت تحاول التقليل من شأني وتجرّني إلى تخفيض سقف توقعاتي، (كنت بطلًا ولم أجد شريرًا فقررّت العراك مع نفسي، ثم هزمت) فأنا لم أكن أرى نفسي من خلال مرآة أو من خلال نظرات من حولي، بل كنت أراها من خلال ما يخبرني به عقلي في ذلك الوقت.


ولتتمكن من رؤية صورتك الذاتية كما أنا أراها اليوم بوضوح، فكل ما عليك هو النظر إلى النتائج من حولك، علاقاتك، شكل جسدك، دخلك المادي، منصبك في العمل، مظهرك الشخصي، كل هذه الأشياء هي عبارة عن تعبير خارجي لما تخبرك به صورتك الذاتية التي تهيأت في عقلك، فتنعكس على حياتك.


فالشخص الذي يمتلك صورة ذاتية عن نفسه محافظة وخجولة وشكّاكة، لن تراه على سبيل المثال يشارك في مغامرات تسلق الجبال أو القفز بالمظلة (لا أقصد على طريقة "ماري بوبنز")، بل ستجده يتحدّث بصوت منخفض، يرتدي ملابس بألوان هادئة لا تلفت الأنظار، وربما قد تقوس ظهره من كثرة محاولة اختبائه كي لا يلاحظه أحد.


في المقابل، ستجد شخصًا آخر يملك صورة ذاتية عن نفسه بأنه مرح ومبتهج، فستجد ذلك ينعكس من خلال طريقة حديثه المفعم بالحيوية، وملابسه الصارخة بالأحمر أو بالأصفر، وعلاقاته الواسعة وأنشطته الاجتماعية المختلفة ومغامراته في بلدان مختلفة حول العالم، (وطبعًا سيتسلق جبلًا أو جبلين وربما يقفز بالمظلة أيضًا حتى لو كانت مظلة "ماري بوبنز" !).


وفي الحقيقة لا توجد صورة صحيحة وأخرى خاطئة، وإنما هناك الكثير منّا محاصر بصورة ذاتية قديمة في ذهنه، ولم يقم بتحديثها لما هو عليه اليوم، أو ما هو فعلًا قادر على القيام به.


لقد كنت محاصرًا بصورة ذاتية قديمة عن نفسي تخبرني بأنني "رسام"، وتعكس هذه الصورة على الجميع بأنني "رسام" فقط (نقطة على السطر). ولا عيب في ذلك، وإنما يصبح الأمر مزعجًا عندما تبدأ تتشكل حولك صورة نمطية تلغي عنك جميع المميزات أو المهارات الأخرى التي قد تكستبها، بل أن بعضهم لا يستطيع رؤيتك كإنسان، فتصبح في نظره مجرد "فرشاة" أو قلم فقط.


فماذا عن مجموعة المشاعر التي تجعل مني إنسانًا له كيان؟ ماذا عن الأفكار التي أصبحت أؤمن بها كل يوم وأرغب في مناقشتها؟ ماذا عن تلك اللحظات المرحة التي أرغب في مشاركتها؟ ماذا عن ذلك الشعر الذي كنت أكتبه؟ أو تلك القصص التي سردتها، أو تلك الأغنية التي ألفتها؟ أو الآلة التي عزفتها؟ أو الحملة التطوعية التي شاركت بها؟ ماذا عن هذه المدوّنة التي وجدت فيها ملاذًا آخر أعبر فيه ؟ ربما بدأت كرسّام، ولكنني وصلت الآن إلى مكان مختلف آخر، يتطلب مني إعادة تعريف صورتي الذاتية عن نفسي، وعن أقصى ما يمكنني القيام به حقًا.


المنطقة الآمنة

هل يمكن أن يعود إعادة تعريف صورتنا الذاتية علينا بالضرر؟ ربما.. لنتخيل بأن لك جناحين، وترغب في معرفة ما هو أعلى ارتفاع عن الأرض يمكنك أن تحلق بهما، وقد بدأت الطيران للتو حتى وصلت إلى ارتفاع 70 مترًا عن الأرض. لنتخيل أن الطيران على هذا الارتفاع هو أمر مريح تمامًا وهو بمثابة "المنطقة الآمنة" لك، ويعكس صورتك الذاتية الحالية وقدراتك. ومع أن هذا الارتفاع قد لا يحقق أقصى أهدافك ولا طموحاتك، كل ما في الأمر بأنه ارتفاع مريح وآمن، 70 متراً عن الأرض هو ما تحتاجه للحفاظ على ما يكفي من علاقاتك الشخصية والاجتماعية، 70 متراً عن الأرض هو ما تحتاجه لتجمع ما يكفي من المال لتعيش براحة.


مطبات هوائية

ثم فجأة، حصل أمر واضطراب مفاجئ في الجو ما جعلك تهبط وتطير إلى ارتفاع 65 مترًا فقط، وأصبح من الصعوبة الحفاظ على ارتفاع أعلى. لقد أصبح العقل مشوّشًا الآن، فقد تعوّد على الطيران على ارتفاع 70 مترًا، لقد أصبح المسار مختلفًا، أكثر ازدحامًا، أقل ارتياحًا، أصبحت تجني مالاً أقل من السابق، تفعل ما بوسعك للعودة إلى مسارك السابق على ارتفاع 70 مترًا، تحاول مرة بعد مرة بعد مرة دون نجاح يذكر، إلى أن... يتسلل إليك اليأس (لكن القليل فقط يستمر بالمحاولة).


تعديل الوضع

لا أحد يحب أن يشعر بالإحباط طوال الوقت، فيخبرك عقلك بأن التحليق على ارتفاع 65 مترًا ليس بذلك السوء، يمكنك أن تتكيّف معه. في الواقع، إنه أفضل شيء حصل على الإطلاق، لقد أصبحت تقوم بمجهود أقل مقابل راحة أكبر ورضا أكثر.


ربما تدرك الآن أن هذا بالضبط ما يفعله بعضهم حين يصطدم بأول عقبة أمام أحلامه الكبيرة، فبعد عدة محاولات فاشلة، يعيد تعريف صورته الذاتية، فمن بعد ما كانت عبارة عن شخصية تسعى خلف المستحيل والأحلام الكبيرة، تتحول إلى شخصية مدركة للوضع الراهن، لها أهداف واقعية أقل صعوبة وأسهل للتحقيق، فيقلّ سقف الطموح والأهداف، بحيث تصبح أكثر "عقلانية" لتوليد الشعور بالرضا (هل تذكّرت أحدهم الآن؟).


أعظم قرار

وقد لا يكتفي بذلك، فهو يريد أن يشعر بأنه اتخذ أعظم قرار في حياته، فما يلبث أن ينظر بازدراء إلى الآخرين الذين لا يزالون يطيرون على ارتفاع 70 مترًا، فيحدث نفسه قائلًا (يا لهم من سذّج.. يعتقدون بأنهم يمكنهم تحقيق ما لم أستطع "أنا" تحقيقه، يا لهم من مغرورين! أراهن أنه ليس لديهم شيء آخر يقومون به سوى العمل! أراهن بأنه لا وقت لديهم لعائلاتهم وأصدقائهم! أراهن أنهم لن يتقاعدوا أبدًا! بينما أنا أقضي وقتي بكل ذكاء، فلدي كل الوقت الذي أحتاجه للراحة، لا أرغب في حرق نفسي من التعب، أنا أرغب في العيش بتوازن) أليس كذلك؟ ولا يزال هذا الشعور يمنحك شعورًا بالتحسّن، فينخفض عنك التوتر والإحساس بالقلق والضيق، وكذلك مستوى طيرانك حتى يصل إلى 62 م، ثم 60 ثم 57 م ثم 55 مترًا دون أن تشعر!


أعور بين العميان

المرحلة التالية تكون من خلال الرفقة التي ستحضى بها، فهل ستجد نفسك محاطًا برفقة ممن يطيرون في نفس مستواك على ارتفاع 55 مترًا ؟ بالطبع لا، فأنت لازلت ترغب بالشعور بالفخر والإنجاز والقيمة المعنوية للمستوى الذي وصلت إليه، فستجد نفسك محاطًا برفقة ممن يطيرون في المستوى 50 م أو 45 مترًا أو أقل، والذي سيقدرون قيمتك الحقيقية بالفعل أكثر من أولئك المغرورين في المستويات العليا. (تذكر كيف كنت تطير في مستوى 70 مترًا، ثم اصبحت ترضى بمستوى التحليق على ارتفاع 55 مترًا).


الشعور بالرضا

لماذا يُحب بعض الناس التعرّف على فضائح المشاهير في نظركم؟ لأن معظمنا يريد أن يشعر بالرضا عن حياته، كنّا نعتقد بأن حياتنا بائسة أو في فوضى، لكن بعد مشاهدة أخطاء وعثرات أولئك المشاهير نشعر بشعور جيد عن أنفسنا بشكل تلقائي لأننا لسنا مكانهم، وأننا اتخذنا القرار الصحيح في يوم ما، فستجد بعضهم يحدث نفسه (هذا ما كان سيحدث لي لو أصبحت عارض أزياء!)، (أنا ممتن بأنني أستطيع الذهاب إلى السوق دون أن يتعرّف علي أحد)، (أشعر بالراحة بأنه لا أحد يترصد أخطائي أينما ذهبت!)، (الحمدلله بأنه يتابعي 26 شخص فقط، حتى لا أضطر لتحمل المزيد من التعليقات والشتائم؟!)، وعندها نبدأ بالشعور بالرضا والراحة، ثم الكسل.


ثم يبدأ العقل بتحديث الصورة الذاتية بعد أن كان يراها على قمة جبل تتحدى الصعاب، إلى صورة شخص مسترخ يرتدي نظارة شمسية وقميصًا بأزرار مفتوحة مزيّن بزهور استوائية، وعلى الأغلب يتأرجح في سرير مربوط بين نخلتين أمام شاطئ فيروزي، وفي يده ثمرة جوز الهند، وفي الأخرى شراب "موهيتو" مزين بمظلة صغيرة، لكن هناك مشكلة صغيرة فقط في هذه الصورة، أنه لا يتوجب عليك عمل أي شيء! وإذا قمت بتمثيل هذا الدور الآن وأنت لا تزال تحلق في مستوى 55 مترًا، ستسقط إلى القاع مباشرة! لأن أغلب واقعنا يتطلب الحد الأدنى من العمل والجهد لتستحق النجاح والراحة في النهاية، أليس كذلك؟ (إلا إذا كنت من النوع الذي يطفو ولا يحتاج إلى الطيران!).


الشعور بالرضا عبارة عن فخّ يبدو في ظاهره مريح، لكنه مع الأيام يجعل الزمن يتوقف عندك بينما يمضي الآخرون، فلا تستيقظ إلى بعد فوات الأوان (فالحقيقة طالما هناك إرادة، يمكنك تحقيق أي شيء في أي عمر)، وهو يشكل أزمة معظم الناس حولنا، لماذا؟ لأنه ببساطة عند يصبح المجتمع راضيًا بما قسمه الله (هكذا نحب أن نقنع أنفسنا)، لا يقوم بأي جهد إضافي، وذلك على الرغم من قدراتنا وإمكانياتنا التي لو وضعنا شيئًا نصب أعيننا وسخّرناها كل جهد نملكه لتحقيقه، لأصبح واقعًا رغم كل الصعاب.


فأصبح الاستسلام أسهل عند أول حاجز، خصوصًا عند توفر البدائل الأسهل والطرق الأقصر، وبعضهم يجد غايته في الطرق المختصرة (الملتوية)، مما يجعلنا أكثر استرخاء، وتبعدنا شيئًا فشيئًا عن تحقيق الأحلام الكبيرة التي تخيلتها عقولنا الصغيرة الطرية في وقت ما.


إذا كان معدل ذكائنا يتراوح بين 100 – 140 فلا يمكن أن يوجد بين الناس من هم أذكى منا بـ 10 أضعاف (هل يعقل أن يكون معدل الذكاء 1000 مثلاً؟)، وإذا كنا نعمل 8 ساعات في اليوم، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون هناك من يعمل منا بأكثر منا بـ 10 مرات (من غير المنطقي أن تكون هناك 240 ساعة في اليوم مثلًا؟). طالما اتفقنا على ذلك، فكيف نفسّر وجود الكثير من الناجحين حولنا الذين حققّوا أكثر من 10 أضعاف مقارنة بما حققّناه في حياتنا؟!


ما هو مقدار جوعك؟

ليس العمل الإضافي ولا الذكاء المرتفع ولا حتى العلاقات الواسعة، إنه الجوع والعطش نحو التميز والنجاح! إذا كنت لست جائعًا بما فيه الكفاية، فإن رؤية نفسك ناجحًا لن تتحقق إلا إذا كنت روحك متعطشة للنجاح مهما كلف الأمر.


كثير منّا تلقى الصدمات في بداية مشوار حياته، وكثير منا وجد مقهاه لا يستحق المعاناة من أجله طالما توجد وسيلة أخرى مضمونة لجني المال من خلال الوظيفة، كثير منا سيتلقى الضربات تلوى الأخرى، وسيصطدم بالحواجز، وسيجرك بعضهم إلى الخلف، وسيقسوا البعض الآخر عليك بالكلام وينعتونك بالفشل، سيكون مرهقًا ومؤلمًا، وسيعيد ترتيب أولوياتكم، وربما علاقاتكم، وربما أدركت لاحقًا كم كان هدفك أوسببك الذي جعلك تبدأ ساذجًا، الأمر الذي يجعلك تسرع في التخلي عنه، لأنك ببساطة ستأجد الأمر لا يستحق العناء من أول عائق، وأنّ حياتك كانت لا بأس بها قبل أن تغرق في حلم خيالي.


ما هو إذًا ذلك الشيء الذي يستحق منك التضحية بواقعك الجيد لتحقيقه؟ أنا لا أعرف الجواب أكثر منك، لأنك تعرف أكثر من غيرك ما الذي يجعلك تنهض بعد كل ضربة، ما الذي يجعلك تستيقظ والناس نيام، ما الذي يجعلك تعمل والناس في إجازة، فما هو هذا الشيء؟


النجاح ليس اختياريًا

عندما لا يصبح النجاح خيارًا، ولا يكون رفاهية، عندما يتولد الشعور لديك بأن هو البديل الوحيد.. إنه الأمر الوحيد الذي لا مرونة فيه ولا تنازل، إنها صورتك أمام نفسك! والتي لن يتجرأ أحد أن يقلل من شأنها سواك أنت.


فكلما كانت صورتك ثابتة ورؤيتك ثاقبة لما تريد أن تكونه، ستجعلها واقعًا.. وذلك لأنك لن تسمح لأي شيء بأن يعيقك، ستتسلق العوائق، وستمر من تحتها، أو عن يمينها أو عن شمالها، المهم بأنك لن تتوقف حتى تتحول هذه الصوة إلى واقع، وهذه هي قوة الصورة الذاتية التي لا يستهان بها. فكيف سترى نفسك بعد اليوم؟

  • Black Facebook Icon
  • Black Twitter Icon
  • Black Instagram Icon

© 2019 Abdulla Alsharhan

sharhans.com