• عبدالله الشرهان

سبعة أسباب تؤدي إلى موت المدن الاقتصادية

تم التحديث: 26 ديسمبر 2018

المدن الاقتصادية المتخصصة هي تلك المناطق التي يتم تشييدها في أطراف المدن، وذلك من أجل توفير بيئة تضمن زيادة التجارة والاستثمار وخلق الوظائف مع ضمان التسهيلات الإدارية اللازمة. تعتمد جاذبية المدن الاقتصادية في استقطاب الاستثمارات الخارجية على قدرتها على توفير التكاليف الإنتاجية، حتى تتمكن من المنافسة عالمياً. إلا أن بعض المدن الاقتصادية حول العالم لا تعدو عن كونها مدن عمالية، لا توفر سوى أكثر بقليل من الاحتياجات الإنسانية الأساسية.


وفي ما يلي نستعرض سبعة من أهم الأخطاء التي يتم التغافل عنها أثناء تشييد المناطق الاقتصادية:


1. عدم توفير مساحات للتوسع

تحتاج الأعمال التجارية الناجحة غالباً إلى التوسع، وتبحث عن المناطق التي تتيح لها مساحات كبيرة مع ثبات أسعار الإيجار بشكل يمكن معه توسيع حجم الأعمال، دون التأثر بتقلبات السوق، ولا يحكمها ضيق توفر العرض مقارنة بارتفاع الطلب. وفي هذا الصدد يضيف السيد/ عمر المسمار – مدير مجمع دبي للاستثمار أن أحد أهم عوامل نجاح مجمعهم التجاري هو إتاحة مساحات كبيرة بعقود إيجار طويلة الأمد تمتد إلى 30 سنة.


2. عدم وجود نظام تعليمي مرموق ومميز

لا يمكن أن نتحدث عن المناطق الاقتصادية الحيوية دون الحديث عن الأيدي العاملة الماهرة والموارد البشرية المتعلمة، ونحن هنا لا نتحدث عن الشهادات المهنية فقط، بل عن نظام تعليمي بمركز أبحاث متكامل يلبي الاحتيجات الاقتصادية، فعلى سبيل المثال، تشكل جامعة ستانفورد في كاليفورنيا، رافداً مستداماً لتزويد وادي السيلكون بالعقول اللازمة التي تتطلبها صناعة تكنولوجيا المعلومات، وكذلك الأمر ينطبق على مجمع صناعة السيارات في ألمانيا، حيث توفر جامعة "هيرويث" للعلوم التطبيقية، احتياجات مصانع السيارات من مرسيدس بنز وبرابس وغيرهم من المهندسين المهرة التي تطلبها احتياجاتهم.


3. عدم وجود كثافة سكانية عالية لأشخاص ذوو تحفيز عال

يعد نجاح أي منطقة اقتصادية مقترناً بنسبة المناطق السكنية إلى المناطق التجارية فيها، إذ لا يستغني أي أحد منهما عن الآخر، فعلى سبيل المثال، تحتاج المجمعات الاقتصادية المتخصصة إلى مجموعة من محلات التجزئة مثل المطاعم والمقاهي، ولكي تستطيع هذه المحلات أن تجلب مدخولاً جيداً، عليها أن تضمن حداً أدنى من مستوى الإقبال عليها، الأمر الذي لا يمكن الاعتماد عليه فقط على المجمعات الاقتصادية المتخصصة وحدها، كون هذه المجمعات - مثل المصانع - لها أوقات عمل محددة تنتهي في حدود الخامسة مساء، بينما المطاعم والمتاجر تتطلب إقبالاً مسائياً أيضاً يتعدى ساعات العمل، ومن هنا تأتي أهمية وجود مناطق سكينة مجاورة تضمن الحد الأدنى من الإقبال على هذه المتاجر، ونحن لا نتحدث هنا عن سكن العمال فقط، بل الأمر يتجاوزه إلى ذوي الدخل المتوسط إلى المرتفع، حيث سيزيد تواجدهم بالقرب من هذه المناطق الاقتصادية من ازدهارها، وسيقلل من ضياع الوقت المهدر في المواصلات من وإلى هذه المناطق الاقتصادية.


4. عدم توفر الخدمات المساندة

ترتكب بعض المجمعات الاقتصادية الخطأ في اختزال مفهوم المنطقة الاقتصادية على النشاط الاقتصادي المتخصص مثل الإعلام أو السيارات أو تكنولوجيا المعلومات، وتغض النظر عن نشاطات أخرى لا تبدو للوهلة الأولى لها علاقة بالمجال الأساسي للمجمع الاقتصادي، وذلك على الرغم من أهميته القصوى لتحقيق التكاملية ومساندته لبقية القطاعات، فعلى سبيل المثال، لا يظهر أن شركات الاستشارات القانونية لها علاقة مباشرة بقطاع الإعلام، إلا أن شركات صناعة المحتوى المرئي أو التطبيقات تحتاج بشكل مستمر إلى خدمات توثيق العلامات التجارية وحمايتها، مما يتطلب وجود شركات المحاماة والاستشارات القانونية بالقرب منها، كذلك الأمر ينطبق على خدمات تقنية المعلومات، وذلك لتوفير احتياجات مختلف القطاعات الحد الأدنى من احتياجاتهم من الحواسيب والأمن الإلكتروني، كما تشمل الخدمات المشتركة خدمات التسويق والعلاقات العامة وخدمات المحاسبة والتدقيق وخدمات التمويل والاستثمار وخدمات استشارات التصميم إضافة إلى حاضانات الأعمال.


5. عدم توفر أماكن لعقد اللقاءات

إذا كنت تعرف أحداً يعمل في وادي السيليكون، فسيخبرك بأنه من المعتاد رؤية بعض كبار مشاهير تكنولوجيا المعلومات في المقاهي والمطاعم المنتشرة هناك، دون أن يكترث أحد لذلك، ذلك لأنه أصبح من المعتاد مصادفتهم في تلك الأماكن. هكذا كانت تشير ديبورا بيري بيسيون مؤلفة كتاب أسرار وادي السيليكون إلى الوضع هناك، فقد أصبحت المقاهي والمطاعم مثل ستاربكس وكوستا وغيرها أكثر من مجرد مقهى، فهو مكان لعقد الاجتماعات الأولية والمقابلات الشخصية، والتواصل الاجتماعي، وعقد الصفقات، خصوصاً عندما يبحث كلا الطرفين عن مكان محايد للالتقاء، بعيداً عن خصوصية العمل، خاصة عندما تشكل حساسية وأسرار بيئة الأعمال أهمية كبرى، إضافة إلى ذلك، كثير من بيئات العمل مثل المصانع وغيرها لا يشغل بالها توفير مكان مثالي لاستقبال الضيوف. وبذلك تخسر كثير من المجمعات الاقتصادية فرص تواصل المصانع المتجاورة مع بعضها إن لم توفر أماكن عقد اللقاءات، وذلك للاستفادة من المنفعة المتبادلة وتحقيق التكامل الاقتصادي.


6. عدم الاهتمام بأسلوب الحياة

"إذا كانت هناك مدينة في أي وقت مضى ترمز للاقتصاد الأمريكي الديناميكي، فهي "ديترويت". لم تكن جميلة. بل في الواقع، كانت مزيجاً من الرمادي والرمادي القاتم: وسط المدينة كان مكتظاً وكئيباً بالشوارع الملتوية، تستطيع أن ترى الكثير من معارض السيارات المستعملة على طول شارع ليفرنواز، تاركة شفقاً من مصابيح النيون. لكن ديترويت لم تهتم كثيراً بمظهرها بقد ما اهتمت بفعلها، و قد فعلت الكثير".

هكذا كانت تصف مجلة "تايمز" الوضع في واحدة من أشهر قضايا أزمات المدن الاقتصادية في العالم.


أحد أهم أسباب فشل المجمعات الاقتصادية في جذب وبقاء الأيدي العاملة اللازمة والمؤسسات فيها، هو إهمالها لجودة وأسلوب الحياة التي توفرها. حيث لا تقل أهمية نمط الحياة ما بعد العمل التي توفرها هذه المدينة عن معدل الرواتب والمزايا التي سيحصل عليها الموظف. حيث يشكل أسلوب الحياة خليطاً من الحياة المهنية والشخصية، والجاذبية الشاملة (المواهب الشابة، والحصول على التكنولوجيا)، والديناميكية الاقتصادية (جودة العمل، والحصول على التمويل)، وجودة الحياة (الرياضة، والثقافة، وجودة الهواء)، وأخيرًا كلفة المعيشة (أسعار المنازل، والمطاعم). وفي هذا الصدد أظهرت دراسة مشتركة أجراها موقع «تشالنجز» الفرنسي، وكلية إنسياد لإدارة الأعمال أنّ دبي هي المدينة الأولى المفضلة للعمل والعيش حول العالم في نظر خريجي الجامعة، فقد تمكنت دبي في وقت قياسي من لفت أنظار العالم بإطلاق مشاريع ضخمة مبهرة استحوذت على اهتمام الإعلام بكافة وسائله، كذلك الأمر ينطبق على وادي السيليكون في كاليفورنيا، حيث الطقس المعتدل طوال العام، وطبيعة كاليفورنيا الساحرة ذات الممرات الملائمة لركوب الدرجات وصعود الجبال، وطبيعة الاستثمار الذي يتميز بالمخاطرة العالية التي تقابله عائدات ضخمة، كل ذلك وأكثر جذب الكثير من المؤسسات والعقول إلى الانتقال إلى أسلوب حياة يلائم طبيعة عملهم.


7. عدم توفير الوظائف للسكان المحليين (التوطين)

أمام مغريات توفير التكاليف من جلب العمالة الوافدة الرخيصة، أو نقل المصانع إلى الدول الآسيوية، يغفل كثير من صناع القرار عن ملاحظة أهمية التوطين، وتوفير الوظائف للسكان المحليين، هذا العامل كونه لا يشكل أهمية قصوى على المدى القريب، إلا أن المؤشرات الاقتصادية الحيوية تشير إلى قوة تأثير السكان المحليين على أي مدينة اقتصادية، وتهدده بإفلاسها، كما حدث في مدينة "ديترويت" الأمريكية، إذ تحولت إلى مدينة أشباح بعد أن هجرها سكانها بحثاً عن الوظائف. ليس هذا فحسب، فمعظم العمالة الوافدة تشكل في الغالب تكتلات من جنسيات وأعراق معينة، إضافة إلى زيادة مضطرة في نسبة العزب على حساب العوائل. الأمر الذي يشكل اختلالاً في التنوع العرقي ومصدراً كبيراً محتملاً لأي تهديد أمني، وزيادة مطردة في معدلات الجرائم. ليس هذا فحسب، فالمصانع التي تعتقد بأنها تقوم بتوفير التكاليف بعد نقل عملياتها إلى الدول ذات الأيدي العاملة الرخيصة، لا تخسر فقط فرصة توظيف السكان المحليين، بل تخاطر في كشف أسرار المهنة إلى الدول الأخرى، الأمر الذي يمكّن الدول المستضيفة من الحصول على كل المعلومات الضرورية للتصنيع بنفسها بنفس الجودة (وربما أعلى) وبتكلفة أقل، كما حدث عندما قررت كبريات مصانع السيارات والدراجات والتكنولوجيا في الولايات المتحدة نقل مصانعها إلى الصين، وانتهى بهم المطاف بالمعاناة من المنتجات المنافسة بجودة مماثلة وسعر أقل بكثير.

  • Black Facebook Icon
  • Black Twitter Icon
  • Black Instagram Icon

© 2019 Abdulla Alsharhan

sharhans.com