• عبدالله الشرهان

ذكي لكن مبعثر

تاريخ التحديث: 7 يناير 2019


في بداية مساري المهني، بدأت أستوعب أمر مشكلة الوقت أكثر عندما وجدت اليوم يقارب على نهايته دون إنتاجية تذكر، حتى أتذكر كيف كانت الساعة الأولى لشرب الشاي، وتصفح آخر الأخبار (مع فطور جماعي أحيانًا)، يليها وصول زميل عمل من طابق آخر والثرثرة حول مغامرته في نهاية الأسبوع، وانتهاء باستقبال مكالمة استمرت لساعة كنت أتمنى لو لم أجب عليها، ثم اضطراري لجلوسي لساعتين في اجتماع (أول نصف ساعة منها في انتظار المدير)، يتخللها نصف ساعة للثرثرة عن أمور لا علاقة لها بالاجتماع، وانتهاء  بخروج المدير من الاجتماع مبكرًا دون نتيجة تذكر لاستقبال مكالمة هاتفية طارئة. وبينما أجُرّ قدمي خارجًا من الاجتماع، أحاول تذكر السبب الذي تمت فيه دعوتي إلى الاجتماع من الأساس. وما أن أستأنف العمل على مكتبي لمحاولة إنهاء آخر سطر في تقرير من 12 صفحة، يستظرف جهاز الكمبيوتر ويقرر التوقّف فجأة، فيحصل منّي على عدة لكمات دون جدوى، أرضخ وأقوم بإعادة تشغيله من جديد، ثم أحاول التذكر.. من سرق وقتي؟


على الرغم من قدراتنا الاستثنائية في كثير من الأحيان، يرجع القصور في الإنجاز والفعالية إلى الافتقار إلى ما يسمى بـ"مهارات الوظائف التنفيذية"، وعلى عكس ما تبدو عليه العبارة، فهي ليست مهارات للمدراء التنفيذين (ستكون كارثة لو أنّ  مديرك لا يملكها) وإنما سمّيت بذلك لأنها تحصر المهارات اللازمة التي يتوجّب لأحد ما تعليمنا إيّاها ونحن صغار حتى لا نواجه مشاكل في تنفيذ الأمور ونحن كبار، فهي باختصار تساعدنا على توجيه تركيزنا على فهم كيفية تنفيذ الأمر، والبدء بتنفيذه، وتذكر المعلومات اللازمة، والاستمرار فيه حتى إنهائه.


عندما لا تكون الوظائف التنفيذية فعّالة، تقل قدرتنا على التحكّم في تصرّفاتنا، وبالتالي تؤثر على قدرتنا على العمل أو الذهاب إلى المدرسة، أو التصرف باستقلالية، أو حتى الحفاظ على العلاقات.


كيف يمكنك التعرّف على المشكلة؟

من الجيّد أن تكون ذكيًا، لكن أن يكون ذكاؤك عائقًا أمام القيام بأي شيء هو المشكلة، يقال أنّ معرفة المشكلة هي نصف الحل، فكيف تعرف إذا كان أحدهم يعاني من قصور في مهارات الوظائف التنفيذية؟


يميل الأطفال الذين يظهرون قصورًا في أحد وظائف المهارات التنفيذية إلى صعوبة بدء أو إكمال المهام، أو صعوبة تحديد أولويات المهام، أو سرعة نسيان ما قد سمع أو قرئ للتو، كما يواجهون مشكلة في اتباع الاتجاهات أو سلسلة من الخطوات، ويصابون بالتوتر والهلع عند تغيير القواعد أو الإجراءات، وحتى في تحويل التركيز من مهمة إلى أخرى، كما يزداد لديهم التعلق العاطفي بالأشياء، ويعانون من صعوبة تنظيم الأفكار والحفاظ على المتعلقات، وكنتيجة لذلك ضعف الفعالية وإضاعة الوقت.


يزداد الأمر صعوبة عند دخول المدرسة، فتجدهم يميلون إلى سرعة التوتر والاستسلام بسرعة بدلًا من طلب المساعدة، والإصرار على القيام بتنفيذ الأشياء بنفس الطريقة. أما فيما يتعلق بتنفيذ المهام، فما أن يبدأ أحدهم في التنفيذ حتى يتشتت بسهولة، ولا يتم الإنجاز، وغالبًا ما يخلط بين الفروض المنزلية ويحضر الكتاب الخطأ إلى المنزل، كما يميل إلى التركيز على الجزء الأقل أهمية في المناقشة.


أما في مرحلة المراهقة، فستجد القصور في الوظائف التنفيذية يتطور ويفسر كثيرًا من التصرفات اللامسؤولة، فغالبًا ما يجعلهم يفقدون الإحساس بالوقت، ويدفعهم إلى المشاركة في نشاطات خطيرة، ويمنحهم شعورًا زائفًا بالتفاؤل الزائد عن الحد بشكل غير واقعي.


أما عند الكبار، فيصبح الأمر مزعجًا، وهذا يفسر سبب تصرف البعض منهم كالأطفال، لحسن الحظ أنّ أغلب ممن يعاني من قصور في المهارات التنفيذية لا يشغل مناصب حسّاسة (كمديرك أو معلمك مثلًا!) أليس كذلك؟ 😛


مهارات الوظائف التنفيذية

لا ينظر الخبراء إلى مهارات الوظائف التنفيذية بنفس الطريقة، إلا أنّ كثير منهم يتّفق أنّ الوظائف التنفيذية تساعدنا على إدارة الوقت، والانتباه، وتبديل التركيز، والتخطيط والتنظيم، وتذكر التفاصيل، وتجنب قول أو فعل الأشياء الخاطئة، وتنفيذ الأشياء بناء على الخبرة وأخيرًا القدرة على القيام بالمهام المتعددة.

بعض الخبراء يقسّم مهارات الوظائف التنفيذية إلى مجموعتين، والبعض الآخر إلى ثلاث، وغيرهم إلى ثمانية مهارات. فيما يلي، جمعت لكم 12 مهارة من أهم مهارات الوظائف التنفيذية والتي أعتقد بأنكم ستجدونها مثيرة للاهتمام:


1. الصبر

في عالم أصبحت تحصل فيه على كل شيء بسرعة، يصبح فيه من الصعب الحصول على المهارة اللازمة بنفس الوتيرة، فبينما كان ذلك الطفل يتحرق شوقًا للحصول على جيتار في يوم ميلاده ليعزف مثل الصبي في فيلم "كوكو"، إلا أنه سرعان ما يتخلى عن حلمه، عندما يدرك أنّ مهارة العزف تتطلب وقتًا وصبرًا لتعلمها وإتقانها. أما تلك الطفلة التي أرادت بشدة الحصول على تلك اللعبة الكبيرة، لم تتمكن من الانتظار لتوفير المبلغ اللازم لشرائها، فهي تنفق ما تملك أولاً بأول على الحلويات التي شاهدتها للتو، ولك أن تتخيل كيف سيتصرف أصحاب هذه المشكلة الصغيرة عندما يصبحون بالغين، فبعضهم يلغي قرار الدراسة الجامعية من حياته تمامًا فلم الانتظار 4 سنوات أخرى حتى أحصل على شهادة جامعية، بينما يستطيع الحصول على وظيفة الآن بمؤهل ثانوي؟، ولا يتوقف الأمر عند ذلك، بل يرافقه قرار شراء كل ما يخطر على البال حتى وإن لم يكن لديه ما يكفي من المال (ألم يخترعوا البطاقة الإئتمانية لهذا السبب؟) هكذا يقنع نفسه، ويغرق في سلسلة من الديون، بسبب مهارة الصبر التي نسي أن يتعلمها منذ الصغر.


2. الاستمرارية

تستطيع التعرف على هذا النوع عند الأطفال عندما تجد الطفل يبدأ في رسم أو تلوين لوحته بتأنّ شديد، ثم ما يلبث أن يتوتر وينهي اللوحة في ثوان، بعد أن يخبر الجميع بأنه يكره تلوينه ورسمه، وغير راض عن النتيجة أبدًا. أما في المسابقات، تجده أول المتحمّسين، وأول من يسرع الخطى، لكن ما يلبث أن يكون أول من يلهث أيضًا من التعب، وغير قادر على إكمال السباق. فالشخص الذي يظهر قصورًا في مهارة الاستمرارية، لديه مشكلة في إنهاء أي شيء، لإنه لا يستطيع المحافظة على نفس وتيرة العمل من البداية إلى النهاية، فتجده يهدر طاقته وجهده في النصف الأول من المهمة بسرعة، وسرعان ما يتوقف عند المنتصف.


3. تقدير الوقت

يمكنك شم رائحة مشكلة التحكم في الوقت من بعيد، ومنذ الصغر، عندما تجد ذلك الولد لا يزال يرتدي ملابسه بينما الآخرون سبقوه إلى السيارة، وعندما تشتكي تلك الفتاة في المدرسة من أنّ الوقت لا يكفي أبدًا لحل جميع أسئلة الامتحان، وبشكل عام تجد من يعاني من مشكلة تقدير الوقت لا يكفيه الوقت المتاح له غالبًا، فيجد صعوبة في تحديد كم من الوقت المستغرق لإنجاز مهمة ما.


4. ضبط النفس

هل تتذكر بعض التصرفات المضحكة والمؤلمة كم كانت تبدو غبية في "اليوتيوب"؟ (وأحيانًا تحصل أمامك مباشرة!) تحدث نفسك حينها؟ (ما الذي كان يفكّر فيه؟)، في الواقع هو لم يفكر قط، فهذه الفئة تعاني من قصور في مهارة ضبط النفس، وهي ببساطة المهارة اللازمة التي تساعد الطفل على التفكير قبل التنفيذ. وهذا يفسّر سبب الاندفاع نحو القيام بتصرفات غير ملائمة أوغبية وأحيانًا خطيرة، خصوصًا عند من يعاني من ضعف في مهارة ضبط النفس.


5. ضبط العواطف

في كل عائلة تقريبًا يكون هناك "ملك للدراما" أو "ملكة للدراما"، وأنتم تعرفون ذلك الشخص أكثر مني، فهو ذلك الشخص الذي يبالغ في إظهار مشاعره، أو كما يعرف المثل "يعمل من الحبّة قبّة". قد يقول أحدهم، وما المشكلة! ربما لا تكون المشكلة كبيرة في كثير من الأحيان خصوصًا في إظهار مشاعر السعادة، لكن تكمن المشكلة لمن لديه ضعف في ضبط العواطف عند تقبّل النقد على سبيل المثال، أو في شدّة الانفعال على أسباب تافهة وإيذاء من حوله، أو اتخاذ قرارات سريعة بناء على العواطف والمشاعر دون استشارة العقل والمنطق. فهي المهارة اللازمة التي تجعلنا نراقب عواطفنا ولا نجعلها تؤثر سلبًا علينا وعلى من حولنا.


6. التفكير المرن

هل تذكر آخر شخص عنيد قابلته؟ قد يكون موظف استقبال رفض طلبك لسبب بسيط، أو شخصًا صعب المراس تضطر لمواجهته كل يوم في المدرسة، أو شقيقًا يرفض التنازل عن المكان الذي جلس عليه أولًا. قد نعتقد أنّ هؤلاء الأشخاص يصرّون على تعقيد حياتنا، لكن لو استوعبنا الأمر من منظور مهارات الوظائف التنفيذية، لوجدنا أنّهم ببساطة يعانون من ضعف في مهارة التفكير المرن، فهم لا يلينون مهما اشتدت عليهم الضربات، بل وينزعجون عندما يُطلب منهم النظر إلى الأمور من زاوية مختلفة. فمهارة التفكير المرن هي التي تفتقدها هذه الفئة، وهي المهارة اللازمة التي تساعد الطفل على التكيّف مع المتغيرات الغير متوقعة.


7. الذاكرة الفعّالة

ما هو أسوأ من نسيان المعلومات حين تحتاجها؟ هذه المهارة بالضبط هي ما تحتاجه لتبقي المعلومات الضرورية داخل رأسك، (على الأقل لتعرف طريق العودة إلى المنزل). الأطفال الذين يعانون من قصور في الذاكرة الفعّالة، يصعب عليهم تذكّر التوجيهات، حتى لو قاموا بكتابتها أو قمتم بتكرارها عدّة مرات.


8. التقييم الذاتي

وسائل التواصل الاجتماعي فتحت لنا بابًا بمصراعيه أمام الجيد والرديء، وفي بعض الأحيان، يحصل بعض الرديء على أضواء الشهرة (بطريقة ما) وإذا اتفقنا بأنّ ليس كل من هو مشهور موهوب، فبالتي ربما أزعجكم أداء بعض مشاهير التواصل الاجتماعي، وتتمنى لو يخبرهم أحدهم بأنّ أداءهم سيء ومثير للشفقة - في الحقيقة هم يحتاجون لمن يخبرهم - إذ أنّ هذه الفئة تجد صعوبة في معرفة أخطائها بنفسها، وتقييم أدائها، لأنهم ببساطة يفتقرون إلى مهارة "التقييم الذاتي"، وهي المهارة اللازمة التي تجعلنا نقيّم ما تقوم به بأنفسنا، فمن يعاني من قصور التقييم الذاتي، تجده يتفاجأ من سوء درجاته في المدرسة، أو أي انتقاد سلبي يُوجّه له.


9. التخطيط وترتيب الأولويات

يبهرنا البعض بقدرته على ترتيب وتنظيم الحفلات والفعاليات، وحتى الرحلات، وعلى العكس، هناك الكثير منّا لا يعرف حتى أي المهام ينبغي تنفيذها أولًا، وهذا يرجع إلى قصور في مهارة التخطيط وترتيب الأوليات. تساعد هذه المهارة على تقسيم مهمة تبدو كبيرة ومعقدة، إلى مهام صغيرة، ومعرفة أي منها يتطلّب تنفيذها أولًا، وتحديد الوقت اللازم لإنجازها ومتابعة التنفيذ والتخلص من العقبات.


10. المبادرة

كثير منّا يمر في تلك اللحظة التي يتجمّد فيها، ولا يعرف فيها كيف يتصرّف، أو أين يبدأ، هذه المهارة هي ما تدفعنا نحو القيام بتصرف ما، والبدء بالتنفيذ على الرغم من أي شيء آخر يجعلنا نتردّد، فهي تتطلب شجاعة بالقدر الكافي الذي يجعلنا نبدأ. في المقابل، ستجد من يعاني من قصور في مهارة المبادرة يميل إلى التأجيل في أغلب الأوقات، أو على الأقل حتى وصول المساعدة.


11. التنظيم

هل تعرف أين ركنت سيارتك اليوم؟ هذا جيد، لأنّ تأثير هذه المهارة لا يقتصر فقط على معرفة مكان متعلّقاتك الشخصية فقط، بل يمتد حتى إلى ترتيب أفكارك، وقدرتك على الكلام وسرد الأحداث بشكل واضح ومفهوم. فمن يعاني من قصور في مهارة التنظيم يعاني من كثرة إضاعة حبل افكاره، وكتبه المدرسية وهاتفه المحمول أيضًا. مهارة التنظيم هي المهارة التي تجعلنا نعرف أين نجد متعلقاتنا وأفكارنا عندما نحتاجها.


12. كبح الرغبات 

لنفترض أنك جائع جدًا، وتحب المارشملو.. ما رأيك لو حصلت على قطعة من المارشملو الآن؟ انتظر هناك المزيد، ماذا لو أخبرتك بأنّ هناك طريقة للحصول على قطعة أخرى أيضًا، لكن كل ما عليك هو الاحتفاظ بالقطعة الأولى والانتظار (لنقل 15 دقيقة) حتى تحصل على قطعتين؟ ربما لا تكون مهتمًا كثيرًا، لكن ما قد يهمك هو أن هذه الدراسة حدثت في جامعة ستانفورد في نهاية الستينات عن تأثير "تأجيل الرغبات"، وتحت إشراف عالم النفس الأمريكي "والتر ميشيل" و"وإيبي ايبسون"، حيث توصّلت الدراسة إلى أنّ الأطفال الذين استطاعوا الانتظار لمدة أطول للحصول على مكافآت أكبر، كانت لديهم حياة علمية أفضل، وكتلة عضلية أفضل وغيرها من مقاييس الحياة. فهذه المهارة تقيس القدرة على تجاهل المشتّتات، ومقاومة المغريات، مهارة بسيطة كهذه هي ما يجعل الأطفال في الفصل إبقاء فمهم مغلقًا، وإصبعهم عاليًا (ليس كلهم) عندما يعرفون الجواب! فهي القدرة التي تجعلنا نصغي جيدًا، ننتبه لما نقوم به، ونركز في ما نقوم به، ونكبح رغبتنا في الحصول على شيء صغير الآن من أجل الحصول على مكافأة أكبر في القريب العاجل أو ربما الآجل.


ما الحل؟

مهارات الوظائف التنفيذية من المهارات التي يجد كثير من الناس (وأنا أحدهم) صعوبة في السيطرة على بعضها. فعند بداية اليوم مثلًا، ستتفاجأ من مقدار الدقائق التي يستغرقها الناس على الأمور الأقل أهمية، مثل اختيار ملابسهم، أو اختيار أفضل مساحة لركن السيارة (ناهيك عن الوقت المستغرق في محاولة تذكر موقف السيارة بعد ذلك) أو وجبة طعامهم التالية، تخيل ماذا كان سيحدث لو أصبحت سياسة ملابس ارتداء ملابس المدرسة مرنة أكثر، وأنّه يمكنك ارتداء ما يحلو لك، هل عرفت الآن لماذا كان يرتدي الراحل "ستيف جوبز" نفس القميص كل يوم؟


لا أحد يولد بجميع هذه المهارات، وبالتالي هناك فرصة للتغلب على معظمهما من خلال إما اكتسابها، أو استخدام أدوات وتلميحات يتيحها لنا عالم اليوم. فإدارة الوقت على سبيل المثال أصبحت أسهل من خلال الحاسوب والأجهزة الذكية والتطبيقات والساعات والمنبّه، كما أنّ تذكر المعلومات يصبح أسهل عند ربطها بصور بصرية، أما المهام فربما تصبح أسهل عندما تكون مكتوبة، الألوان تساعد على تصنيف وتنظيم أمورك، كما يمكن الإيفاء بمواعيد التسليم عندما تكون مسجّلة بجانب كل مهمة وأمام ناظريك طوال الوقت، لكن الأهم من ذلك كله هو الإقرار بوجود المشكلة، فتحديد المشكلة في نهاية المطاف هي نصف الحل.

  • Black Facebook Icon
  • Black Twitter Icon
  • Black Instagram Icon

© 2019 Abdulla Alsharhan

sharhans.com