• عبدالله الشرهان

بين الاضطرار ورفاهية الاختيار

ماذا لو عاد الزمن للوراء؟ هل سأختار نفس القرارات التي اخترتها حتى الآن؟


يقال أن أقدم الذكريات التي تتذكرها يكون لها تأثير على واقعك، وبالتالي قرارتك، أحد أقدم ذكرياتي عندما كنت صغيرًا، هي عند عودة شقيقتي من المدرسة، وبدلًا من أن تعود ومعها الواجبات والكتب، عادت ومعها لعبة.. لعبة حروف مغناطيسية!.. يا للروعة أصبحت أحب المدرسة حتى قبل أن تبدأ! اتضح أن الأمر لم يكن بهذه السهولة، فليست كل المدارس تمنح الألعاب، وإنما فقط حينما تكون اللعبة عبارة عن جائزة! يا سلام أحب الجوائز! فقط أرشدوني إلى أقرب مكان لتوزيع الجوائز! لكن ليته كان الأمر بهذه السهولة، فالجائزة شيء تحصل عليه فقط حينما تفوز! أحب الفوز.. من لا يحب الفوز؟ ماذا علي أن أفعل إذًا كي أفوز؟ بالنسبة لشقيقتي، فقد فازت في مسابقة للرسم... وبحسبة بسيطة داخل مخي البدائي... لم أتوقف عن الرسم من ذلك الوقت، لكن مهلًا.. نسيت أمر اللعبة!


كأي شخص يولد في هذه الحياة (في السيارة مثلًا)، فغالبًا ما يمشي في طرقات، ويصل أحيانًا إلى مفترق طرق، وهكذا كانت حياتي، فقد انقسمت إلى جزئين.. الجزء الأول كان عبارة عن خيارات.. أشياء أخترتها، مثل اختيارالفيلم الذي سأشاهده مع العائلة (بعد أخذ موافقة كل فرد منهم بالطبع)، والجزء الثاني كان عبارة عن أشياء أخرى اختارتني (مثل ولادتي في سيارة مازدا مثلاً بدلًا من مرسيدس)، لكن الجزء الذي يبدو أنني لم أعمل حسابه جيدًا، هو عندما انغمر الطريق بالسيول الجارفة، ولم يعد يهم أي طريق تختار، فقط صراع البقاء هو كل ما يهم!


لكن لحسن الحظ كان صديقي طيارًا، وأحد الأشياء التي فعلها (كلا لم ينقذني من السيول بالهيلكوبتر، سيكون أمرًا رائعًا لو فعل) لكل ما فعله هو تعليمي لمبدأ مهم: وهو أن حياة الطيار تبدأ بحقيبتين، واحدة مملوءة بالحظ، والثانية فارغة من الخبرة، والطيار الماهر هو من يملء الحقيبة الفارغة بالخبرة، قبل أن يفرغ الحظ من الحقيبة الأخرى. (في حقيقة الأمر الطيار الذي أعرفه لم يخبرني بذلك، لكنني قرأتها في مكان ما على الإنترنت وتخيلتها بصوته، فبدا الأمر أكثر حكمة!).


ما يهم الآن هو أن علي استخدام خبراتي التراكمية طوال السنوات الماضية في اتخاذ القرار الصائب!

لنعد إلى اللعبة، اتضح أن الأمر ليس مجرد فوز وجائزة، هناك مشاركين آخرين واحتمالات متعددة، ربما تعتمد على المهارة، وربما تعتمد على مزاج وذوق الحكم! لا يبدو أن الحصول على اللعبة كجائزة أمر سهل، فحتى لو كان هناك مقابل، فذلك لا يضمن الحصول عليها، إلا أن تنال على إعجاب مزاج الحكم، أو أن تكون المشارك الوحيد، طبعًا لا أستطيع التخلص من كل المشاركين (بعد التفكير مليًا بكل السيناريوهات المحتملة بالطبع) ، لذلك قررت أن أشتري الحكم، أقصد اللعبة!

وبالعودة لما معي من دراهم، فلا يبدو الأمر مشجعًا، فنحن الأطفال ليس علينا الاحتفاط بأي نقود، (ولم نحتفظ بها طالما هناك مكان مليء بها نستطيع استعارتها متى شئنا ؟! - الرف العلوي الأيمن من خزانة ملابس الوالدين بالطبع). السر فقط يكمن في أخذ القليل من الدراهم فقط دون لفت الانتباه (أليس كذلك؟) لكن ذلك لم يكن كافيًا، اللعبة تحتاج إلى 820 درهم تقريبًا (نسيت أن أخبركم أنني اصبحت أكبر قليلًا الآن واللعبة الجديدة التي أريدها هي حاسوب صخر MSX) وانا ليس معي هذا المبلغ، فما العمل؟


بالرجوع إلى مخي الطفولي، وولعه الشديد بالألعاب، فقد قررت التحالف والتآمر معه ضد المعدة، وذلك بتوفير مصروف الإفطار في فترة الفسحة، من أجل شراء الجائزة الكبرى (حاسوب صخر MSX)، فكانت معركة الأمعاء الخاوية، ولتطبيق هذه الخطة كان علي قطع الطريق على المعدة من محاولة توسلها بالجوع إلى السيد مخ، فكانت أفضل طريقة هي إشغال المخ بعمل آخر طوال فترة الفسحة، ولم يكن أفضل من العودة إلى هوايتي الأولى – الرسم أثناء الفسحة في غرفة التربية الفنية للمشاركة في المسابقات الفنية المختلفة! وبالطبع كنت الحيوان الوديع أقصد الطالب الأليف الذي يحلم به أي مدرس! ولم يكن يعلم بأنني أنا الذي كنت أستخدمه ضمن مخططي الأكبر وهو الانشغال عن الأكل لتوفير المصروف لشراء الجائزة الكبرى! نياهاهاها! (لم أكن أحب الفلافل على أية حال).


لطالما كان توفر الخيارات أمرًا جيدًا، لكنه ليس دائمًا، ألم يكن من الأسهل الذهاب إلى الجامعة وحسب؟ دون الاضطرار إلى اختيار تخصص؟ ألا يعلمون أن اختيار لعبة من بين كل الألعاب هو أمر مرهق بما فيه الكفاية؟! كل ما نجيد اختياره آن ذاك هو عصير البرتقال أم المانجا؟ سندويتش الجبن أم الفلافل؟ طبعًا كان الأمرمحسوماً بالنسبة لي، طبعًا أختار أن أوفر مصروفي! لأن هناك لعبة أخرى على الرف تنتظرني وعلي شراؤها...


عندما كبرت قليلًا أدركت شيئاً في غاية الأهمية كان غائباً عني طوال هذه المدة، أنا من عائلة ميسورة الحال، وكل ما كان علي أن أقوم به هو أن أطلب من والداي ما أرغب به من الألعاب، لم أعلم حقيقة لم كان كل هذا اللف والدوران وكل هذه الدراما، أحيانًا تكون أبسط الإجابات أمام أعيننا، لكنها رحلة البطل المغوار الذي سيكتب التاريخ يومًا عنه، أو لن يكتب.. لا أدري، ربما لأن طبيعة مخ شخص مثلي يرفض التعامل مع الأمور ببساطة، ويحب تضخيم الأمور وكشف المؤمرات، والبحث عن الخريطة، ومفتاح الكنز، وحل الألغاز، (نعم أعلم، الكثير من الأفلام، الكثير من الأحلام، القليل من الواقع).


في الواقع اتضح أن الاختيارين كانا جيدين ، فقد استطعت جمع المبلغ المطلوب وشراء الحاسوب الذي حلمت به، كما أن مهاراتي في الرسم تطورت ورسوماتي في فترة الفسحة قد حصلت على بعض الجوائز أيضًا! يا لها من ضربة مزدوجة! علي تكرار الأمر إذًا! لكن ماذا عن المدرسة؟ أليس من المفترض الذهاب إلى المدرسة للدراسة مثلًا؟


اكتشاف أمر مهم كهذا جعلني أتمنى وجود نسخة افتراضية مني تعود إلى الماضي وتصحح جميع اختياراتي السيئة في الماضي، ربما لو صححتها لوجدت نسخة مختلفة من نفسي أكثر نضجًا وأكثر تركيزًا وربما أكثر جاذبية، أوربما تختلف كليًا عما أنا عليه الآن، لكن أين المرح في ذلك؟ لابد من المعاناة والصراع وإلا أصبح الفيلم مملاً أقصد الحياة مملة... أليس كذلك؟


في الحقيقة، لا أحد يختار الخيار الصعب في الواقع، لكننا نختار طريقنا بناء على حدسنا أو ربما أفضل المعطيات المتوفرة في وقتها.. لكن ماذا لو كانت لديك معطيات أفضل، وخيارات أفضل؟ ربما لو تابعت القراءة لوجدت خيارات أكثر أو ربما أكثر من ذلك بقليل (نحن لا نتحدث عن الخضروات، ربما تكون جائعًا فقط).

  • Black Facebook Icon
  • Black Twitter Icon
  • Black Instagram Icon

© 2019 Abdulla Alsharhan

sharhans.com